
الإنسان أولًا... لكن بشروط
في كثير من الأزمات، لا تصل المساعدات إلا بعد موافقة النظام الحاكم أو القوة المسيطرة، ما يمنح الطرف الأقوى أداة تفاوض ومساومة. فيُمنح الطعام لمن يرضخ، ويُحرم منه من يرفض الإملاءات. وبهذا، تتحول المساعدة من استجابة إنسانية عاجلة إلى أداة فرز بين "المطيع" و"المتمرّد".
الوصاية تحت غطاء الإغاثة
بعض الجهات المانحة تُشترط أن تترافق المساعدات مع برامج ثقافية أو تعليمية تتبنى سرديات معينة أو نماذج سياسية محددة. وهذا يعني أن لقمة العيش قد تصبح مدخلًا لفرض تصورات عن "الديمقراطية"، أو إعادة هندسة المفاهيم المجتمعية والدينية.
ليس هذا فقط، بل تُوظّف أحيانًا بعض المنظمات الدولية كذراع ميدانية لتنفيذ أهداف جيوسياسية، من خلال فرض خرائط توزيع تُضعف الخصوم وتقوّي الحلفاء المحليين، أو من خلال منع المساعدات عن مناطق المقاومة بحجة "الأمن" أو "التحقق".
الاحتياج الإنساني كآلية إخضاع
تتحول المناطق المنكوبة إلى رهينة للاعتراف الدولي. فمثلاً، في حال وجود سلطة محلية لا تعترف بها المؤسسات الغربية، يُمنع عنها الدعم، ويُشترط أن تمرّ المساعدات عبر أطراف "معترف بها"، حتى وإن كانت فاسدة أو تابعة. والرسالة واضحة: إما أن تنصاع للتوازنات السياسية، أو تموت جوعًا.
اقتصاد الإغاثة: صناعة قائمة بحد ذاتها
في خلفية هذا المشهد، تنشط صناعة ضخمة لإدارة المساعدات، تتضمن مقاولات، وعقود نقل، وميزانيات هائلة، تتحكم بها دول ومنظمات مرتبطة بمصالح محددة. وهذا يُفضي إلى نوع جديد من الاستعمار الناعم، حيث تتحكم الجهات المانحة في القرار المحلي، عبر التحكم في الاحتياج الأساسي.
الخطاب الإنساني.. حين يصبح غطاءً للهيمنة
حين يتحدث الساسة الغربيون عن "ضرورة إيصال المساعدات" إلى غزة أو سوريا أو اليمن، لا يتحدثون غالبًا بدافع الرحمة، بل لتجميل موقفهم السياسي، أو لتبرير تدخلهم لاحقًا بذريعة "المساعدة". فيتحول الإنسان المتألم إلى أداة دعائية، وتُستثمر معاناته لإنتاج خطاب يُبرّر سياسات السيطرة لا الرحمة.
الخلاصة: المساعدة التي تجرّدك من قرارك ليست عونًا، بل قيدًا
ما لم تكن المساعدات محايدة فعليًا، ومستقلة عن الهيمنة السياسية، فهي ليست دعمًا إنسانيًا بل أداة استعمار ناعم، تُستخدم لإخضاع الشعوب عبر بطونها، بعد أن فشل إخضاعها بالقوة. والفارق بين "الإغاثة" و"الإذلال" يتحدد بسؤال: هل تُمنح المساعدة احترامًا لكرامتك، أم مشروطة بتنازلك؟