بين المقاومة والميليشيا: من يحق له أن يُسمى جيشًا؟

في عالمٍ باتت فيه الكلمات تُقاتِل كما البنادق، لم يعد الفرق بين "جيش" و"ميليشيا" مجرد وصفٍ تقني أو قانوني، بل ساحة صراع على الشرعية والرمزية. في الإعلام الدولي، تُطلَق صفة "جيش" على أي قوة رسمية تديرها دولة، حتى لو كانت تلك الدولة تفتقر للسيادة وتخضع لوصاية عسكرية أجنبية. بينما تُختزل فصائل المقاومة، التي نشأت دفاعًا عن الأرض والكرامة، في توصيف "ميليشيا" يوحي بالفوضى والتخريب والخروج عن القانون.

فمن يصنع هذا الفرق؟ وأي سلطة تحكم تسميات الصراع؟

الشرعية في ميزان القوة لا في ميزان الحق

في الأدبيات القانونية، يُفترض أن "الجيش" هو قوة منظمة تابعة لدولة ذات سيادة، تخضع لقوانين الحرب وتحمل شارة الدولة. بينما "الميليشيا" تُطلق على جماعة مسلّحة غير رسمية. لكن الواقع يقول إن هذا التمييز لم يعد ينطبق في كثير من النزاعات الحديثة. فهناك جيوش رسمية ترتكب المجازر وتنتهك القانون، ومع ذلك تحظى بالاعتراف الدولي، بينما تقاتل فصائل مقاومة وفق معايير قانونية وأخلاقية أعلى، وتُجرَّم لمجرد عدم تبعيتها لكيان سياسي معترف به غربيًا.

اللغة كسلاح سياسي

عندما تصف وسائل الإعلام الغربية المقاومة اللبنانية أو الفلسطينية بـ"الميليشيات"، فإنها لا تستخدم توصيفًا بريئًا، بل تزرع حكمًا مسبقًا في وعي المتلقي. فالمصطلح يُحمّل دلالات الفوضى والطائفية والارتهان، ويُفقد الطرف الموصوف به أي مشروعية أخلاقية أو سياسية. بينما "الجيش" يرمز إلى النظام، والانضباط، والدفاع الوطني.

فهل المسألة مسألة انضباط وهيكلية؟ أم اعتراف سياسي يُمنح ويُمنع بحسب الموقع في الخارطة الجيوسياسية؟

جيش بمرتبة احتلال، ومقاومة بمرتبة جريمة

حين يُطلق على جيش الاحتلال الإسرائيلي وصف "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم"، رغم سجله الدموي الموثق، ووصم المقاومة في غزة أو لبنان بالإرهاب، فإننا لا نعيش فقط انحرافًا لغويًا، بل تسطيحًا للواقع يعكس ميزان قوى لا ميزان قيم.

"الجيش" أصبح رتبة تُمنح في نادي الأمم لا عبر ممارسات الميدان، بينما "الميليشيا" تُستخدم كأداة تشويه لأي فاعل يعجز النظام العالمي عن إخضاعه.

من يحتكر تعريف القانون؟

في زمن الهيمنة، لم يعد القانون الدولي محايدًا، بل أصبح في كثير من حالاته مرآة لقرارات القوى الكبرى. والتمييز بين "جيش شرعي" و"جماعة خارجة عن القانون" يُصاغ في أروقة السياسة لا في قاعات القضاء.

ولهذا، لا عجب أن يُمنع تسليح المقاومة بينما تُغدق الترسانات على أنظمة تستبيح شعوبها، ولا يُنظر إلى هذا التناقض بوصفه خللًا، بل باعتباره "نظامًا دوليًا".

الفارق الحقيقي: بين من يدافع عن أرضه ومن يقاتل بوصاية

الفرق الجوهري الذي تتجاهله التوصيفات الدولية والإعلامية يكمن في السؤال الأخلاقي والسياسي الأساسي: هل يقاتل هذا الطرف دفاعًا عن أرضه وكرامته؟ أم هو أداة في يد قوى خارجية؟
هذا هو الفارق الحقيقي الذي يُميّز بين "المقاومة" و"المرتزقة"، بين "الجيش الوطني" و"الجيش التابع"، مهما كانت الأزياء والشعارات والتصنيفات الرسمية.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.