توظيف الحقائق لأهدافٍ مضادّة: كيف يُصنع التضليل من الصدق

في عالمٍ تزداد فيه وفرة المعلومات، لم تعد الكذبة وحدها وسيلة التضليل، بل أصبحت الحقيقة نفسها أداةً يمكن تطويعها لخدمة أهدافٍ مناقضة لجوهرها. فحين يُراد توجيه وعي الجماهير، لا يحتاج المُضلِّل إلى اختراع الوقائع، بل يكفيه أن ينتقي أجزاءً منها، ويعيد ترتيبها، أو يضعها في سياقٍ جديد يبدّل معناها تمامًا، ليُنتج من الحقيقة نقيضها.

التحكم في السياق لا في المضمون

ليست الخطورة في إنكار الحقيقة، بل في طريقة تقديمها. فالتلفيق الفجّ يسهل كشفه، أما التلاعب بالسياق فهو أكثر دهاءً وتأثيرًا. يكفي أن تُروى الحادثة من زاوية محدّدة، أو أن تُستبدل نقطة البداية أو النهاية، ليتحوّل المجرم إلى ضحية، والعدوان إلى دفاع عن النفس. هكذا تصنع الدعاية الحديثة سحرها: لا تُكذّب، بل تُعيد ترتيب الصدق وفق هندسةٍ دعائية محسوبة.

تجزيء الحقيقة: نصف الصدق أخطر من الكذب

النصف الصحيح من الحقيقة يمكن أن يكون سلاحًا فتاكًا. الإعلام الدعائي لا يخترع الوقائع، بل يقطعها إلى أجزاءٍ صغيرة، فيسلّط الضوء على ما يخدم غايته، ويخفي ما ينقضها. وحين يتكرر هذا النمط في التغطيات والتحليلات، تتشكّل ذاكرة جمعية مشوَّهة، تعتقد أنها مبنيّة على الحقائق، لكنها في الحقيقة مشدودة بخيوط الانتقاء والتوجيه.

المعنى المصنوع: من المعلومة إلى الرواية

ليست المعلومة هي ما يُشكّل الوعي، بل الرواية التي تُنسج حولها. فالحرب الإعلامية لا تقوم على تبادل الحقائق، بل على صراعٍ في تفسيرها. قد تُنشر الأرقام والوثائق كاملة، لكن ما يُضاف إليها من تأويلٍ وانتقاءٍ لغوي يُحوّلها إلى خطابٍ أيديولوجي. ومن هنا يصبح توظيف الحقيقة أخطر من الكذب: لأنها تمنح الغطاء الأخلاقي للمغالطة.

التضليل الأخلاقي باسم الحقيقة

كثير من الحملات السياسية أو الإعلامية المعاصرة تتخفّى وراء “الشفافية” لتُمرّر خطابًا موجَّهًا. تُعرض الحقائق بصدقٍ شكليّ، لكن ضمن بنيةٍ تُشعر المتلقي أنه يرى كل شيء، بينما هو في الواقع محاصر بإطارٍ ذهني مسبق. وهكذا يتحول الصدق إلى وسيلةٍ للإقناع الزائف، ويصبح “الإفصاح الكامل” مجرد ستارٍ لإخفاء الأسئلة الجوهرية.

الحقيقة كأداة للهيمنة

في زمن المعلومات، لم تعد الهيمنة تحتاج إلى حجب الحقيقة، بل إلى امتلاك مفاتيح تفسيرها. القوى الكبرى لا تُنكر الوقائع الميدانية، لكنها تضعها في قوالبٍ لغوية واستراتيجية تُنتج وعيًا يخدم مصالحها. فبدل أن تكون الحقيقة محرّرة، تصبح مُقيَّدة في خدمة السرد الأقوى صوتًا.

خاتمة

إن أخطر أنواع التضليل اليوم ليست الأكاذيب المكشوفة، بل الحقائق الموجَّهة. فالكذب يمكن فضحه، أما الحقيقة حين تُستعمل ضد ذاتها، فإنها تُربك الوعي وتُعطّل البصيرة. من هنا، فإن مقاومة التضليل لا تكون برفض المعلومة، بل بتمزيق سياجها الخطابي، وتفكيك السياق الذي وُظّفت فيه. لأن الوعي لا يُبنى بما نعرفه من حقائق، بل بكيف نفهمها ولماذا تُقدَّم لنا كما هي.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.