سقوط السردية وصناعة القوة: لماذا تخرق إسرائيل اتفاقات وقف النار؟


لا يمكن قراءة السلوك الإسرائيلي في غزة من زاوية العمليات العسكرية وحدها. فالمشهد الذي يتكرر — خرق وقف إطلاق النار، استهداف المدنيين، التنصّل من التفاهمات بعد توقيعها — ليس سلوكاً عشوائياً، بل هو جزء من بنية سياسية واستراتيجية عميقة.
في ظاهر الرواية يتحدثون عن “الأمن”، و“التهديد”، و“الضرورة العملياتية”.
لكن خلف الضجيج، ثمة آلية منهجية تتعمد تحويل الاتفاقات إلى أدوات مؤقتة، لا التزامات مُلزمة، وتحوّل المدنيين إلى أوراق تفاوض. إنها سياسة لا تقوم على السردية الأخلاقية كما في العقود الماضية، بل على القوة الصلبة وتآكل أي قيود سياسية أو أخلاقية.
ولعلّ المفارقة أن هذه الخروقات تحدث في الوقت الذي فقدت فيه إسرائيل جزءاً كبيراً من شرعيتها الخطابية أمام العالم، وكأن السردية القديمة لم تعد صالحة للاستخدام، فحلّت محلها استراتيجية القوة وحدها.

أولاً: اتفاقات وقف النار كآلية لإدارة الصراع لا لإنهائه

١. الاتفاق عند إسرائيل ليس التزاماً بل أداة

إسرائيل تتعامل مع اتفاقات وقف إطلاق النار كإطار مرن، لا كعقد يُحترم.
يتم توقيع الاتفاق عندما تحتاجه — لالتقاط الأنفاس، امتصاص الضغوط، تخفيف العبء الداخلي — ثم يتم خرقه عندما يتعارض مع مصالحها العملياتية.
لهذا السبب نرى نمطاً ثابتاً:

  • قصف محدود بعد ساعات من بدء الهدنة
  • اغتيالات “نوعية” رغم وجود تفاهمات
  • توغلات “تكتيكية” بحجة مطاردة مسلحين
  • استثناءات تُفصَّل لاحقاً لشرعنة الخرق

السلوك ليس طارئاً؛ إنه سلوك مؤسسي.

٢. خرق الاتفاق يحفظ هامش المناورة

إسرائيل لا تريد اتفاقاً يجبرها على الالتزام.
هي تريد اتفاقاً يمنحها مرونة:

  • تضغط به على المقاومة
  • تُطمئن به حلفاءها
  • تُظهر نفسها أمام العالم كطرف “يقبل التهدئة”

ثم تخرقه عندما تصبح تكلفته أعلى من فائدته.

ثانياً: لماذا تخرق إسرائيل الاتفاق رغم تشويه صورتها؟

١. لأن الهدف الاستراتيجي أهم من السمعة

من منظور المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، السمعة الأخلاقية لم تعد “عملة قابلة للصرف”.
المهم اليوم:

  • استمرار الدعم الأميركي
  • استمرار التفوق العسكري
  • تحجيم قدرات المقاومة
  • منع أي نصر سياسي أو معنوي لحماس

وكل ما عدا ذلك يمكن تعويضه لاحقاً بالدبلوماسية والإعلام.

۲. لأنها تدرك أن الحكومات الغربية تغض النظر

السردية الإسرائيلية سقطت على مستوى الشعوب، نعم،
لكن الحكومات الغربية لا تزال ملتزمة — لا حباً في إسرائيل، بل لأن:

  • البنية الأمنية في المنطقة جزء من شبكة مصالحهم
  • أي تفكك في هذه المنظومة يعني فراغاً جيوسياسياً
  • واشنطن لا تريد سابقة يُفرض فيها على حليفها الالتزام باتفاق تحت ضغط الشعوب

لهذا، إسرائيل لا تخشى فقدان “الصورة”، طالما لم تفقد الغطاء السياسي الحقيقي.

٣. لأن خرق الهدنة يمنع تثبيت مكاسب الطرف الآخر

الهدنة، مهما كانت قصيرة، تمنح المقاومة:

  • إعادة تنظيم
  • إعادة انتشار
  • فرز خسائر
  • تحسين تفاوض

وإسرائيل ترى في هذا خطراً مباشراً، لذلك تلجأ إلى خرق الاتفاق لتحجيم قدرة المقاومة على الاستفادة من توقف القتال.

٤. لأنها تستخدم المدنيين كوسيلة ضغط استراتيجية

إسرائيل تعرف أن المقاومة حريصة على حياة المدنيين.
وتعرف أن حماس ستتنازل في خطوط معينة لتخفيف معاناة الناس.
وبما أن المدني بالنسبة لإسرائيل ليس محمياً، بل أداة ضغط، فإن خرق الهدنة يصبح وسيلة:

  • لفرض تنازلات
  • لانتزاع معلومات
  • لإضعاف الموقف التفاوضي للطرف الآخر

وهو ما رأيناه سابقاً:
المقاومة سلّمت الأسرى ضمن الاتفاق، بينما إسرائيل واصلت العمليات، مما أدى إلى اختلال في ميزان التفاهمات.

ثالثاً: أين انتهت السردية الإسرائيلية؟

١. السردية سقطت شعبياً لا حكومياً

الشعوب في الغرب لم تعد تشتري خطاب “الدفاع عن النفس”،
لكن الحكومات — وهي من يقرر — ما زالت تعمل ضمن سياقات:

  • الضغط الانتخابي
  • اللوبيات
  • العلاقات العسكرية
  • الالتزامات التاريخية

وبذلك يتحول السقوط الأخلاقي إلى مشكلة “صورة”، لا مشكلة “سياسة”.

٢. إسرائيل فقدت ركيزتين تاريخيتين

  • صورة “الديمقراطية الأخلاقية”
  • صورة “الجيش الذي لا يُهزم”

لكنها لم تفقد أهم ركيزة: القوة المدعومة غربياً.
وحين يسقط الخطاب ويبقى السلاح، يصبح خرق الاتفاق هو السلوك الطبيعي.

رابعاً: ماذا بيد المقاومة أن تفعل؟

١. المقاومة ليست صاحبة زمام الزمن العسكري

في أي هدنة، إسرائيل هي الطرف الذي يتحكم بالتصعيد:

  • تستطيع القصف متى شاءت
  • تستطيع تقديم مبرر أمني يكفي لإقناع داعميها
  • تستطيع توسيع نطاق العمليات تحت غطاء “الضرورة التكتيكية”

المقاومة تتحرك ضمن قيود:
مدنيون تحت النار، حصار، تفوق جوي مطلق، ضغط إغاثي…
لكنها تكسب في مساحة أخرى:
الزمن السياسي وليس الزمن العسكري.

٢. ما تستطيع المقاومة فعله هو تثبيت الخسارة السردية لإسرائيل

المقاومة، بوجودها، بأدائها، بثباتها، جعلت إسرائيل تخسر سردياً ما لم تخسره منذ عقود:

  • فقدان الثقة العالمية
  • تراجع شرعية الاحتلال
  • صعود الرأي العام العالمي
  • اهتزاز العلاقة الأخلاقية بين إسرائيل والغرب

وهذا مكسب استراتيجي بعيد المدى.

٣. إنها حرب طويلة النفس

خرق الاتفاق ليس نهاية المعركة،
بل فصلٌ في صراع طويل تتحرك فيه المقاومة على محور آخر:
الشرعية، الاستنزاف السياسي، والصمود الداخلي.

خامساً: لماذا انتهت السردية فعلاً؟

لأن معادلة الحرب تغيّرت:
لم يعد ممكناً تبرير:

  • قصف الأطفال
  • تدمير المستشفيات
  • استهداف المدنيين
  • خرق الاتفاقات
  • إهانة الوسطاء
  • الكذب الإعلامي المكشوف

لقد أصبح العالم يرى بعيون مفتوحة، وأصبحت “الرواية” أقل قدرة على صنع واقع بديل.

لكن سقوط السردية لا يعني سقوط القوة.
هو فقط البداية — بداية مرحلة جديدة ستتسع فيها الفجوة بين الشعوب وحكوماتها،
وستصبح إسرائيل عبئاً سياسياً، لا حليفاً مريحاً.

الخلاصة

سياسة خرق اتفاقات وقف النار هي نتيجة طبيعية لمرحلة تقودها إسرائيل بدون رواية وبدون شرعية، وتعتمد فيها على القوة المجردة وحدها.
ورغم أن هذا السلوك يضر صورتها أمام العالم، إلا أنه يخدم أهدافها الآنية في إدارة الصراع، لا حله.
أما المقاومة فلا تنافس إسرائيل في القوة، بل في الزمن السياسي، والشرعية، وفي القدرة على قلب ميزان الصورة أمام العالم — وهي معركة بدأت نتائجها تظهر بوضوح، مهما حاولت آلة القوة طمسها.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.