
الممر: من طريق سلام محلي إلى أداة نفوذ دولية
الاتفاقية، التي تمنح الولايات المتحدة حقوق تطوير الممر لمدة 99 سنة، تمثل نموذجًا حديثًا للوساطة الدولية، حيث يتم تحويل نزاع محلي إلى صفقة استراتيجية تخدم مصالح قوة عالمية. الولايات المتحدة بذلك تكسب موطئ قدم في قلب القوقاز، وهو موقع محوري للتجارة والنفط والغاز، ويمنحها القدرة على التأثير على تدفق البضائع والطاقة بين أوروبا وآسيا الوسطى دون الاعتماد على طرق تقليدية أو على روسيا وإيران.
من منظور أذربيجان، الممر يحقق هدفًا طويل الأمد: ربط أراضيها بقطاع ناخيتشيفان، ما يعزز السيطرة على أراضيها المبعثرة ويحولها إلى محور نقل إقليمي. أما أرمينيا، فبالرغم من أنها تضطر للتنازل عن جزء من السيطرة على ممر يمر بأراضيها، فإنها تسعى للحفاظ على السلام وتخفيف الضغوط العسكرية والسياسية بعد خسائر 2020.
الدول المستفيدة سياسياً
1. الولايات المتحدة الأمريكية
-
كسبت الولايات المتحدة أداة نفوذ مباشرة عبر حقوق تطوير الممر وإشرافها على حركة البضائع.
-
الممر يوفر للولايات المتحدة منصة استراتيجية لمراقبة وتأثير تدفق الطاقة والتجارة في منطقة حيوية، مع إبعاد روسيا وإيران عن السيطرة المباشرة.
2. أذربيجان
-
تحقق ربحًا مزدوجًا:
-
ربط أراضيها بقطاع ناخيتشيفان، ما يعزز سيادتها الإقليمية.
-
مكاسب اقتصادية محتملة عبر رسوم النقل والتجارة العابرة، وتحسين موقعها كحلقة وصل بين آسيا الوسطى وأوروبا.
-
3. تركيا
-
تدعم المشروع باعتباره يعزز نفوذها في القوقاز ويتيح لها دورًا أكبر في التجارة الإقليمية.
-
تركيا، الحليف التاريخي لأذربيجان، تستفيد من تعزيز الدور الجيوسياسي لأذربيجان كممر استراتيجي يفتح الأسواق الأوروبية والآسيوية أمامها.
الدول المتضررة سياسياً
1. إيران
-
ترى إيران الممر تهديدًا مباشرًا على حدودها الشمالية الغربية، حيث يقلل من نفوذها التقليدي في جنوب القوقاز.
-
القلق الإيراني يكمن في أن الممر قد يسمح بتمرير التجارة والطاقة خارج رقابتها، بما يضعف موقعها الإقليمي.
2. روسيا
-
رغم وجود علاقات تقليدية مع أرمينيا، فقد ترى موسكو في الممر إضعافًا لنفوذها في القوقاز، حيث يسيطر الأمريكيون جزئيًا على مسار حيوي دون الحاجة للتدخل العسكري.
-
روسيا، التي لطالما اعتمدت على وجود أرمينيا كحليف شمالي لإبراز نفوذها في المنطقة، تواجه تحديًا لإعادة ترتيب استراتيجياتها الإقليمية.
3. أرمينيا
-
على الرغم من كونها طرفًا في الاتفاق، إلا أن أرمينيا تدفع ثمن التنازل عن سيطرة جزئية على أراضيها.
-
المخاطر طويلة الأمد تكمن في إمكانية استخدام الممر لاحقًا لتحقيق مصالح خارجية لا تتوافق مع استراتيجياتها الوطنية.
انعكاسات استراتيجية على القوقاز
الممر الجديد يخلق خطًا استراتيجيًا يربط بحر قزوين بالبحر الأسود، ما يعيد تعريف الأهمية الجغرافية والسياسية للمنطقة. الدول القوية تستطيع عبر هذا الممر:
-
التأثير على حركة التجارة والطاقة.
-
فرض نفوذ على التحالفات الإقليمية.
-
تحويل النزاع المحلي إلى أداة ضغط دولية.
الدول الإقليمية الكبرى ستحتاج لإعادة تقييم تحالفاتها. إيران وروسيا أمام خيارين: التصعيد السياسي أو التكيف مع واقع جديد حيث النفوذ الأمريكي أصبح ملموسًا في قلب القوقاز.
خلاصة
الممر الاستراتيجي بين أرمينيا وأذربيجان ليس مجرد طريق، بل أداة إعادة هندسة نفوذ إقليمي وعالمي. الولايات المتحدة تكسب موقعًا استراتيجيًا، أذربيجان تحقق مكاسب سياسية واقتصادية، وأرمينيا تضطر للتنازل مقابل السلام. في المقابل، إيران وروسيا يواجهان تهديدًا لنفوذهما التقليدي.
ما يعكسه هذا الممر هو جوهر الجيوسياسة الواقعية: المصالح الكبرى تفرض نفسها على النزاعات المحلية، وتعيد رسم خطوط النفوذ دون حرب مباشرة، لكنها تحمل تبعات طويلة الأمد على استقرار المنطقة.