ما يجري في شوارع أوروبا من سكبٍ للحليب ورميٍ للبطاطس ليس فوضى احتجاجية ولا انفعالًا غاضبًا، بل لحظة كاشفة لانهيار توازن قديم بين الدولة والمنتج.
حين يتعمد المزارع إتلاف غذائه علنًا، فهو لا يحتج على السوق فقط، بل يعلن أن العلاقة بين العمل والقيمة قد انقطعت، وأن الزراعة لم تعد مكانًا مضمونًا داخل النموذج الاقتصادي الأوروبي.
هذه الاحتجاجات لا تعبّر عن أزمة قطاعية، بل عن تصدّع بنيوي في فهم أوروبا لمعنى الإنتاج، والسيادة، والعدالة.
الصورة كخطاب سياسي: لماذا يُسكب الحليب؟
في الاحتجاجات الزراعية، لا تُختار الرموز اعتباطًا.
الحليب ليس سلعة عادية؛ هو نتاج يومي، سريع التلف، عالي الكلفة، ومرتبط مباشرة ببقاء المنتج.
سكبه في الشارع هو إعلان قاسٍ بأن هذا المنتج لم يعد يحمل أي قيمة اقتصادية حقيقية داخل النظام.
الرسالة التي يوجّهها المزارع ليست عاطفية:
- هذا الغذاء لا يغطي كلفة إنتاجه.
- السوق يطلبه، لكنه لا يكافئ من ينتجه.
- الدولة تنظّم إنتاجه، لكنها لا تحميه.
أما البطاطس والخضار، فهي رموز الغذاء الأساسي.
إتلافها يقول شيئًا أخطر:
حتى الضروري لم يعد يمنح المنتج حصانة اقتصادية.
أساليب الاحتجاج: عصيان المنتجين لا ثورة الشارع
لا تتخذ احتجاجات المزارعين شكل الحركات الشعبوية أو الثورية.
لا شعارات كبرى، ولا خطاب أيديولوجي، ولا دعوة لإسقاط النظام.
ما نراه هو:
- جرارات تغلق الطرق.
- تعطيل موانئ ومراكز توزيع.
- أدوات إنتاج تتحول إلى أدوات احتجاج.
هذا النمط يمكن وصفه بـ العصيان الإنتاجي البارد:
احتجاج من داخل النظام، لا خارجه.
المزارعون لا يرفضون الدولة، بل يرفضون أن يُداروا كملحق غير أساسي داخل اقتصاد يدّعي الاستدامة بينما يفرّغها من مضمونها الاجتماعي.
لماذا الآن؟ لحظة انكشاف النموذج الأوروبي
تصاعد الاحتجاجات في هذا التوقيت ليس مصادفة، بل نتيجة وصول ثلاثة مسارات إلى نقطة كسر واحدة.
أولًا، تسريع اتفاقيات التجارة الحرّة، خصوصًا مع دول ميركوسور، إضافة إلى استمرار تدفق الواردات الأوكرانية بشروط استثنائية.
ما كان خطرًا نظريًا أصبح الآن قابلًا للتنفيذ، والمزارع بات يرى أن السوق سيفتح فعليًا أمام منتجات أرخص لا تخضع لنفس المعايير التي يُفرض عليه الالتزام بها.
ثانيًا، تشديد القواعد البيئية في توقيت خاطئ.
الالتزامات البيئية ارتفعت فورًا، بينما تراجعت الحماية والدعم الحقيقيان.
النتيجة أن المزارع طُلب منه أن:
- يخفض الإنتاج،
- يتحمل كلفة إضافية،
- ويواجه منافسة غير متكافئة.
ثالثًا، انهيار هامش الاحتمال الاقتصادي.
التضخم، وارتفاع الطاقة، وضغط الديون جعلت ما كان ممكنًا تحمله سابقًا غير قابل للاستمرار الآن.
هنا تحديدًا، يتحول التذمر الصامت إلى احتجاج علني.
جذور تاريخية: احتجاج قديم بسياق مختلف
احتجاجات المزارعين ليست جديدة في أوروبا.
لكن الفارق اليوم أن الاحتجاج لم يعد يطالب بتعديل شروط داخل النموذج، بل يشكك في صلاحية النموذج نفسه.
قديمًا، كان الصراع يدور حول:
- أسعار.
- دعم.
- حصص إنتاج.
اليوم، يدور حول سؤال أعمق:
هل ما زالت الزراعة جزءًا من العقد الاجتماعي الأوروبي، أم أصبحت قطاعًا هامشيًا قابلًا للاستبدال؟
الاقتصاد السياسي للغذاء: من ينتج لا يربح
اقتصاديًا، تكشف الاحتجاجات خللًا بنيويًا: القيمة لم تعد تُخلق عند الإنتاج، بل بعده.
المزارع:
- يتحمل كلفة الطاقة والأسمدة والالتزامات البيئية.
- يبيع بسعر تحدده الأسواق العالمية.
- يفتقر إلى أي قوة تفاوضية حقيقية.
في المقابل:
- سلاسل التوزيع تحتكر الربح.
- الشركات الغذائية تسيطر على التسعير.
- السياسات تحمي “انسياب السوق” لا من ينتج.
هذا ليس اقتصادًا حرًا، بل تحريرًا انتقائيًا:
تحرير للاستيراد، وتقييد للإنتاج المحلي.
البيئة بين الخطاب والواقع
الاحتجاج الزراعي لا يرفض حماية البيئة، بل يرفض استخدامها كأداة تحميل كلفة أحادية.
التحول البيئي، كما يُطبّق اليوم، لا يقوم على شراكة مع المنتج، بل على ضبطه.
حين تُفرض المعايير دون حماية مقابلة، تتحول البيئة من مشروع جماعي إلى أداة إدارة اجتماعية، تُستخدم ضد الحلقة الأضعف، بينما يبقى رأس المال العابر للحدود خارج المساءلة.
البعد السياسي: فجوة بروكسل والقاعدة المنتِجة
سياسيًا، تكشف الاحتجاجات فجوة متزايدة بين:
- مراكز القرار الأوروبية.
- والقاعدة الاجتماعية المنتِجة داخل الدول.
المزارعون يرون أن السياسات تُصاغ:
- وفق منطق التجارة والتحالفات.
- بعيدًا عن الواقع المعيشي.
- دون اعتبار للزراعة كمسألة سيادة.
هذا الغضب لا يبقى اقتصاديًا، بل يتحول إلى فقدان ثقة سياسي، ويفتح المجال لتوظيف شعبوي يهدد الاستقرار الداخلي الأوروبي.
ما وراء المشهد: أزمة سيادة غذائية مقنّعة
في العمق، الصراع ليس حول الأسعار فقط، بل حول تعريف الغذاء ذاته:
- هل هو سلعة تخضع لقوانين السوق؟
- أم ركيزة سيادية وأمن اجتماعي؟
أوروبا، التي بنت سرديتها على الحماية الاجتماعية، تجد نفسها اليوم تطالب بالاستدامة دون عدالة، وبالتحرير دون حماية، وبالسوق دون سيادة.
الخلاصة: حين يحتج من يزرع
سكب الحليب في شوارع أوروبا ليس مشهدًا صادمًا بقدر ما هو اتهام سياسي صريح.
اتهام لنموذج قرر أن:
- يستهلك دون أن يحمي من ينتج،
- ويستورد دون أن يوازن،
- ويُنظّر للاستدامة بينما يفرغها من معناها الاجتماعي.
هذه الاحتجاجات ليست أزمة عابرة، بل إشارة مبكرة إلى أن العقد الزراعي الأوروبي يتفكك.
وحين يخرج من يزرع إلى الشارع، فذلك يعني أن الخلل لم يعد في الهامش، بل في القلب.