لا يحتفل العالم بالكريسماس لأنه يؤمن به، ولا لأنه متفق على دلالته الدينية أو تاريخه، بل لأنه بات جزءًا من بنية ثقافية واقتصادية كونية لا تترك مجالًا للاختيار. المفارقة أن هذا العيد، المختلف عليه حتى داخل المسيحية نفسها، تحوّل إلى طقس عالمي يتجاوز العقائد والحدود. السؤال الحقيقي ليس: لماذا يحتفل الناس بالكريسماس؟ بل: كيف ولمصلحة من أُعيد تعريفه بهذه الصورة؟
أولًا: عيد بلا تاريخ… ولا إجماع ديني
من الناحية التاريخية، لا يوجد دليل حاسم على أن ميلاد المسيح وقع في 25 ديسمبر.
هذا ليس رأيًا هامشيًا، بل حقيقة تقرّ بها مؤسسات كنسية وباحثون مسيحيون أنفسهم. التاريخ المختار ارتبط قديمًا بأعياد وثنية رومانية مرتبطة بالشمس والانقلاب الشتوي، ثم أُعيدت صياغته لاحقًا داخل الكنيسة لأسباب رمزية وتنظيمية.
الأهم هنا:
أن الخلاف حول الكريسماس ليس خارجيًا على المسيحية، بل داخلي فيها.
بعض الطوائف البروتستانتية، تاريخيًا، رفضته بوصفه بدعة غير مؤسسة دينيًا. ومع ذلك، استمر العيد، لا لقوته اللاهوتية، بل لقدرته على التكيّف والتحوّل.
ثانيًا: من عقيدة إلى تقويم… كيف فرض الغرب إيقاعه الزمني؟
هيمنة الغرب لم تكن عسكرية فقط، بل زمنية وثقافية.
حين أصبحت أوروبا ثم الولايات المتحدة مركز الاقتصاد العالمي، جرى تعميم:
- التقويم الميلادي
- الإجازات الغربية
- مواسم العمل والاستهلاك
الكريسماس دخل حياة الشعوب لا باعتباره “عيدًا مسيحيًا”، بل باعتباره:
- عطلة رسمية
- موسم نهاية سنة
- محطة استهلاكية إجبارية
هكذا، تحوّل العيد من حدث ديني إلى إيقاع زمني عالمي.
ومن لا يعيش داخله، يجد نفسه خارج السوق، خارج الإعلام، وخارج “الطبيعي الجديد”.
ثالثًا: الرأسمالية أعادت تصنيع العيد
هنا جوهر المسألة.
الرأسمالية لا تحتاج إلى إيمان، بل إلى مواسم.
والكريسماس هو أنجح موسم صُمّم في العصر الحديث.
في هذا الموسم:
- تُضخ مليارات الدولارات
- تُخلق حالة شعورية جماعية مصطنعة
- يُربط “الفرح” بالشراء
- ويُقاس الدفء الإنساني بعدد الهدايا
لم يعد مهمًا:
- من هو المسيح؟
- هل وُلد فعلًا في هذا اليوم؟
المهم:
هل تشتري؟
هل تستهلك؟
هل تشارك في الطقس؟
بهذا المعنى، الكريسماس ليس عيدًا، بل أداة اقتصادية ناعمة.
رابعًا: كيف شاركت مجتمعات غير مسيحية في الطقس؟
في آسيا، أفريقيا، وحتى في دول ذات أغلبية مسلمة، نرى:
- أشجار كريسماس في المولات
- زينة في الشوارع
- عروض نهاية سنة
لكن بلا كنائس ممتلئة، ولا طقوس دينية حقيقية.
السبب بسيط:
الكريسماس قُدِّم بوصفه “ثقافة عالمية” لا “عقيدة”.
وهنا الخدعة الكبرى:
- يتم نزع العيد من سياقه الديني
- ثم يُعاد إدخاله بوصفه حياديًا، إنسانيًا، عالميًا
بينما هو في العمق: امتداد للهيمنة الثقافية الغربية، ولكن بلغة ناعمة ومحببة.
خامسًا: الإنسان المعاصر واحتياجه إلى طقس فارغ
العالم الحديث فكّك الدين، لكنه لم يلغِ الحاجة النفسية للطقس.
الإنسان يحتاج:
- لحظة جماعية
- شعورًا بالانتماء
- توقفًا رمزيًا عن صخب الحياة
ومع غياب المعنى العميق، يتم تعويضه بـ:
- موسيقى
- ألوان
- إعلانات
- شعارات عن الحب والسلام بلا مضمون فعلي
الكريسماس يملأ هذا الفراغ، لا لأنه يقدّم معنى، بل لأنه يمنح وهم المعنى.
سادسًا: لماذا لا يُطرح هذا النقاش إعلاميًا؟
لأن الإعلام جزء من المنظومة نفسها.
نقد الكريسماس بوصفه:
- صناعة استهلاكية
- أداة هيمنة ثقافية
- طقسًا مفروضًا لا طبيعيًا
يعني:
- التشكيك في “العالمية” الغربية
- فضح آليات تصنيع الذوق والوعي
- كسر صورة العيد البريئة
ولهذا يُختزل النقاش دائمًا في:
“احتفل أو لا تحتفل”
بدل: “لماذا فُرض عليك هذا الطقس أصلًا؟”
خلاصة: الكريسماس كمرآة للنظام العالمي
الكريسماس ليس استثناءً، بل نموذج.
نموذج لكيف:
- تُفرَّغ الرموز من معناها
- وتُعاد هندستها لخدمة السوق
- وتُفرض بوصفها “طبيعية” و”عالمية”
العالم لا يحتفل بالكريسماس لأنه مسيحي،
بل لأنه يعيش داخل نظام لا يتيح الخروج من طقوسه دون كلفة.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق:
عيد مختلف عليه دينيًا،
مرفوض تاريخيًا،
تحوّل إلى أكثر الأعياد حضورًا عالميًا…
لا بقوة الإيمان، بل بقوة السوق.