الشياطين والصليب: الأسطورة الغربية بين السينما والموروث الثقافي

في عالم أفلام الرعب الغربية، نجد مشهداً متكرراً: يظهر الشيطان أو الكيان المرعب أمام الصليب، فيتراجع أو يختفي. هذا المشهد لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تراكم ثقافي ديني يعود إلى جذور المسيحية الأوروبية، حيث اعتُبر الصليب رمز حماية مطلق ضد الشر، سواء كان هذا الشر شخصياً أو خارقاً. لكن ما مدى صحة هذه العلاقة بين الصليب والشياطين؟ ولماذا تصدرت هذه الفكرة السينما الغربية تحديداً، فيما يختلف التصوير في مجتمعات أخرى؟
أصل الأسطورة: الصليب كرمز للسلطة الروحية
في المسيحية، الصليب ليس مجرد علامة، بل يمثل الانتصار على الموت والخطيئة، ويجسد قوة المسيح على الشر. خلال العصور الوسطى، ارتبط استخدام الصليب بطرد الشياطين وحماية النفس والمكان. الأدب الشعبي والخرافات الأوروبية ساعد على ترسيخ فكرة أن الكيانات الشريرة تخاف من هذا الرمز، ومن ثم انتقلت إلى السينما مع بداية القرن العشرين، لتصبح من الثوابت السردية في أفلام الرعب الكلاسيكية.
الحدود الثقافية: شياطين خارج الغرب
لكن ماذا عن الشياطين في ثقافات أخرى؟ في الميثولوجيات الشرقية أو الأفريقية أو الآسيوية، لا مكان للصليب كمصدر قوة. الشياطين هنا لها رموزها الخاصة، وغالباً ما تُخيف بالطقوس التقليدية، الأعشاب، الأصوات، أو التمائم. على سبيل المثال:
في اليابان، الأرواح الشريرة أو "يوكاي" يمكن صدها بتمائم شنتو أو طقوس خاصة بالمعابد.
في الهندوسية، الكائنات الشريرة تُواجه بالمانترا، أو طلاسم معينة حسب النصوص المقدسة.
في أفريقيا، استخدام الرموز التقليدية مثل الأقنعة، أو الأعشاب، أو الشعائر القبلية هو ما يحمي البشر من الكيانات الشريرة.
هكذا، الفكرة الغربية بأن الشياطين "تخاف من الصليب" لم تعد مجرد أسطورة دينية، بل أصبحت عنصر سردي ثقافي سينمائي، يختلف جذرياً عن مفهوم الشر والقداسة في الثقافات الأخرى. الأفلام الغربية صنعت لنفسها "لغة شر" محددة، بينما باقي الثقافات استخدمت أدواتها الرمزية الخاصة.
الصراع بين الثقافة والسينما
ما يجعل هذا الموضوع شيقاً هو أن السينما الغربية لا تكتفي بنسخ الرموز الدينية، بل تحوّلها إلى أدوات تسلية تجذب الجمهور. الصليب لم يعد علامة مقدسة فقط، بل أصبح أداة سردية لتحقيق التشويق والخوف، سواء كان المشاهد مسيحياً أو لا. هذا يضعنا أمام مفارقة: عالمياً، لا أحد يعبد الصليب إلا المسيحيون، لكن الأفلام صارت تستخدمه كرمز شامل للخير ضد الشر.
خلاصة
الصليب في السينما الغربية ليس إلا انعكاساً لتراكم ثقافي تاريخي، لكنه تباين جذري عن رموز الشر والخوف في بقية الثقافات. السينما اختزلت عمق الرمزية الدينية، وحوّلته إلى أداة سردية موحدة، بينما كل مجتمع لديه مفاهيمه الخاصة للطرد والتحصين من الكيانات الخارقة. هذه النظرة تفتح باباً لفهم كيف يُصنع "الخوف العالمي" عبر ثقافة محددة، وكيف يختلف تصوره باختلاف الرموز والدين والخلفيات الثقافية.