من الرعاية إلى الشرط: التحول الصامت في علاقة الدولة بالفرد في الشرق الأوسط

لم يتغيّر شكل الدولة في الشرق الأوسط فجأة، بل تغيّرت وظيفتها العميقة.
ما كان يُقدَّم طويلًا بوصفه “دولة راعية” للمواطن، بدأ ينكشف كصيغة مؤقتة لعقد غير مكتوب.
ومع تآكل هذا العقد، لم تُفتح مفاوضة جديدة، بل فُرض واقع مختلف: دولة تشترط، لا ترعى؛ تضبط، لا تحتوي.
هذا التحول لا يُعلن صراحة، لكنه يُمارس يوميًا.
وهو لا يخص دولة بعينها، بل نمطًا إقليميًا آخذًا في التبلور.

أولًا: الصيغة القديمة — المواطن كأصل سياسي

في المرحلة الريعية الكلاسيكية، كانت العلاقة تقوم على معادلة بسيطة:

  • الدولة تمتلك المورد
  • المواطن يمنح الشرعية
  • الحكومة وسيط توزيع لا مركز سيادة مطلقة

لم يكن المواطن شريكًا سياسيًا بالمعنى الحديث، لكنه كان محور الخطاب وغاية السياسات.
الرفاه لم يُقدَّم كمنّة، بل كاستحقاق بديهي.
والحقوق، وإن لم تكن دستورية مكتملة، كانت محصّنة نفسيًا.

لهذا ترسّخ شعور عام بأن:

الدولة ملزمة بالمواطن، لا العكس.

لم يكن هذا مثاليًا، لكنه كان مستقرًا وظيفيًا.

ثانيًا: لماذا نجحت هذه الصيغة طويلًا؟

نجاحها لم يكن أخلاقيًا، بل بنيويًا:

  • وفرة الموارد جعلت الرضا أقل كلفة من القمع
  • المجتمع قليل المطالب السياسية مقابل ضمان المعيشة
  • الشرعية تُشترى بالاستقرار لا بالمشاركة

كانت الدولة تحتاج:

  • ولاءً هادئًا
  • لا خوفًا دائمًا

ولهذا حافظت على صورة المواطن بوصفه “الأهم”.

ثالثًا: لحظة التحول — حين لم يعد الوعد ممكنًا

ما تغيّر ليس الفكرة، بل القدرة على الوفاء:

  • تضخم سكاني
  • التزامات متراكمة
  • تراجع فعلي لهامش الريع
  • فشل مزمن في التحول الإنتاجي

النتيجة:

  • لم يعد ممكنًا إرضاء الجميع
  • ولا شراء الرضا جماعيًا
  • ولا تحمّل مجتمع نشط بتوقعات عالية

هنا كان أمام الدولة خياران:

  1. إعادة التفاوض مع المجتمع
  2. إعادة تعريف العلاقة بالقوة

فاختارت الثاني.

رابعًا: الصيغة الجديدة — الدولة كأصل والمواطن كحالة

في النموذج المستجد، حدث انقلاب فلسفي صامت:

  • الدولة أصبحت الكيان المقدّس
  • الفرد تحوّل إلى ملف إداري
  • الحقوق لم تعد طبيعية، بل مشروطة وقابلة للتأويل

لم يعد السؤال:

ماذا تلتزم به الدولة تجاه الفرد؟

بل:

إلى أي مدى يلتزم الفرد بشروط الدولة؟

وهنا تحوّل مفهوم المواطنة من:

  • رابطة انتماء
    إلى:
  • علاقة مشروطة قابلة للمراجعة

خامسًا: لماذا استُبدل الإغراء بالضبط؟

لسبب واحد مركزي: الكلفة.

  • الرعاية مكلفة
  • الإصلاح مكلف
  • إعادة التفاوض مكلفة سياسيًا

أما الضبط:

  • سريع
  • رخيص
  • لا يتطلب تغيير البنية
  • ولا يمس شبكات النفوذ

الخوف لا يحتاج ميزانية، بل يحتاج رسالة واحدة تُفهم دون شرح.

سادسًا: الأهداف الحقيقية (غير المعلنة)

الهدف ليس معالجة أزمة، بل إدارة قلق السلطة:

  • خفض سقف التوقعات
  • إعادة إنتاج الطاعة
  • تفريغ المجال العام
  • منع تشكّل وعي جمعي مطالب

الدولة هنا لا تبحث عن ولاء، بل عن قابلية للضبط.

سابعًا: لماذا لم تُتخذ البدائل؟

لأن البدائل، رغم أنها ليست وجودية، مزعزعة:

1. الإصلاح الحقيقي

يعني:

  • مساءلة
  • شفافية
  • تقاسم سلطة
  • تفكيك امتيازات

وهو خطر على البنية القائمة.

2. إعادة التفاوض الاجتماعي

تعني:

  • اعترافًا ضمنيًا بالفشل
  • انتقالًا من السيطرة إلى الشراكة
  • فتح المجال السياسي

وهذا تهديد طويل الأمد.

3. التحول الإنتاجي الفعلي

يعني:

  • تقليص الريع
  • فرض عمل
  • إنهاء علاقة “الدولة المانحة”

وهو تغيير ثقيل سياسيًا واجتماعيًا.

فكان الأسهل:

تغيير المواطن… لا تغيير الدولة.

ثامنًا: النتائج الواقعية لا الخطابية

ما تحقق فعليًا:

  • صمت أوسع
  • خوف أعمق
  • مواطن حذر لا مبادر
  • انتماء ضعيف لكنه متجنب للصدام

وما لم يتحقق:

  • استقرار طويل
  • ثقة
  • ولاء حقيقي
  • قدرة تعبئة وقت الأزمات

الدولة ربحت السيطرة الآنية، وخسرت الإنسان.

الخلاصة

ما نشهده ليس تشددًا عابرًا،
بل انتقالًا من دولة الرعاية إلى دولة الشروط.

لم يحدث لأن الخطر وجودي، بل لأن الإصلاح مؤلم، والضبط أسهل.

لكن الدولة التي تبني استقرارها على الخوف، تحصل على هدوء مؤقت، ومجتمع صامت… لا سندًا حين يُطلب السند.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.