إدارة الصراعات: اليمن بين التهدئة والتصعيد: قراءة نقدية في مشهد مُدار لا يُراد له الحسم

لا يمكن قراءة ما يجري بين اليمن والسعودية والإمارات بوصفه صراع إرادات وطنية متقابلة، ولا حتى بوصفه خلافًا داخل معسكر واحد، لأن هذا المستوى من القراءة يتجاهل الإطار الحاكم للمشهد. ما نشهده اليوم ليس تحولًا جذريًا في موازين القوى، بل إعادة ضبط للأدوار داخل ساحة تُدار بعناية في ظرف جيوسياسي متغيّر، حيث لم يعد الحسم هدفًا، بل صار عبئًا.

أولًا: اليمن كساحة إدارة لا كجبهة انتصار

منذ سنوات، خرج الملف اليمني من كونه حربًا أهلية أو تدخلًا إقليميًا، ليتحوّل إلى ساحة إدارة صراع. لا طرف يُسمح له بالحسم، ولا طرف يُترك لينكسر بالكامل. هذا التوازن غير المستقر ليس فشلًا، بل نتيجة مقصودة.

اليمن، في هذا الإطار، يؤدي وظيفة مزدوجة:

  • ساحة ضغط إقليمي منخفض الكلفة
  • أداة استنزاف محسوبة دون انفجار شامل

كل تصعيد فيه محسوب، وكل تهدئة فيه مشروطة، وكل “مبادرة سلام” فيه لا تهدف إلى إنهاء الحرب بقدر ما تهدف إلى إعادة ترتيب خطوط الاشتباك.

ثانيًا: السعودية بين سقف الدور وكلفة الاستمرار

السعودية ليست فاعلًا حرًّا في هذا الملف، بل دولة تتحرك داخل هامش دور مرسوم.
لا يُسمح لها:

  • بحسم عسكري شامل
  • ولا بانسحاب كامل دون ترتيبات

لأن كلا الخيارين يغيّر بنية المشهد الإقليمي.

استمرار الضغط على السعودية لا يهدف إلى كسرها، بل إلى:

  • إبقائها داخل المظلة
  • ضبط طموحاتها الإقليمية
  • تحميلها جزءًا من كلفة الإدارة

ولهذا، فإن أي تصعيد على عمقها أو على مصالحها لا يُقرأ كرسالة عسكرية فقط، بل كـأداة إعادة تذكير بسقف الدور.

ثالثًا: الإمارات وإعادة التموضع الوظيفي

التحركات الإماراتية، سواء وُصفت انسحابًا أو إعادة انتشار، لا تعني خروجًا من المشهد، بل تغييرًا في طبيعة الدور.
الإمارات أدركت مبكرًا أن:

  • كلفة الانخراط المباشر أعلى من عائداته
  • وأن دور “الفاعل العسكري” أقل جدوى من دور “الفاعل الوظيفي الهادئ”

الانسحاب هنا ليس قرارًا سياديًا مستقلًا بقدر ما هو:

إعادة تموضع داخل المعادلة نفسها، دون كسرها.

وهذا ينسجم تمامًا مع منطق إدارة الصراع:
تقليص الاحتكاك، لا تفكيك النفوذ.

رابعًا: الحوثي من فاعل متمرّد إلى أداة ضبط

الحوثي لم يعد يُفهم بوصفه جماعة متمرّدة تسعى إلى تغيير النظام الإقليمي، بل كـفاعل غير دولتي مُدمج وظيفيًا داخل معادلة الضبط.

  • يمتلك القدرة على التصعيد
  • لكنه لا يستخدمها للحسم
  • ويتوقف عند حدود غير مكتوبة

خطابه مرتفع السقف، لكن فعله مضبوط الإيقاع.
وهذا ما يجعله:

  • خطرًا في الخطاب

  • أداة توازن في الواقع

تحويله إلى “تهديد دائم” يخدم إدارة الصراع أكثر مما يخدم إنهاءه.

خامسًا: الخلافات بين الحلفاء… حقيقة أم تمويه؟

ما يُقدَّم إعلاميًا بوصفه تصادم مصالح بين السعودية والإمارات غالبًا ما يُضخَّم خارج حجمه.
الاختلاف هنا:

  • تكتيكي لا استراتيجي
  • وظيفي لا وجودي

تضخيم هذا الخلاف يؤدي وظيفة واضحة:

  • تبرير إعادة توزيع الأدوار
  • امتصاص غضب داخلي
  • إرباك الخصوم

لكن سقف هذا الخلاف لا يتجاوز الإطار العام لإدارة الملف.

سادسًا: الإعلام كأداة إدارة لا كمرآة واقع

الإعلام في هذا الملف لا يشرح ما يجري، بل يُعيد تشكيل وعي الجمهور حوله.

  • يُلمّع طرفًا حين يؤدي وظيفته
  • ويُجرّم طرفًا حين يتجاوز إيقاعه
  • ويضخّم حدثًا
  • ويتجاهل آخر

النتيجة وعي زائف:

  • يربط الأحداث بإرادات وطنية
  • ويتجاهل القالب الجيوسياسي الحاكم

بهذا، يتحول الجمهور إلى متلقٍ لانطباعات لا لتحليل.

سابعًا: لماذا لا يُراد للحرب أن تنتهي؟

لأن نهاية الحرب تعني:

  • إعادة تعريف النفوذ
  • ظهور قوة منتصرة
  • أو فراغ قابل للاختراق من قوى دولية منافسة

في ظرف دولي انتقالي، لا ترغب القوى الكبرى في:

  • انتصارات حاسمة
  • ولا هزائم كاملة

بل في:

صراعات مُدارة، قابلة للتبريد والتسخين عند الحاجة.

الخلاصة: قراءة الأحداث من القالب لا من المسرح

ما يجري بين اليمن والسعودية والإمارات ليس سلسلة قرارات منفصلة، بل حركة أدوات داخل منظومة إدارة إقليمية.
فهم هذا القالب يجعل:

  • الحدث أقل إرباكًا
  • والتناقض أقل غموضًا
  • والتحليل أكثر اتساقًا مع الواقع

أما الاكتفاء بقراءة المسرح، فسيُبقي المتلقي أسير:

  • الصدمة
  • والتخوين
  • والانبهار اللحظي

في حين أن الحقيقة أبسط وأقسى:
المنطقة لا تُدار لتنتصر، بل لتبقى تحت السيطرة.

سلسلة: إدارة الصراعات في الشرق الأوسط

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.