إدارة الصراعات: إلى أين يتجه نمط إدارة الصراع في الشرق الأوسط؟ : استشراف ما بعد مرحلة “الضبط المؤقت”

ما نشهده اليوم في الشرق الأوسط ليس حالة انتقالية قصيرة، بل نمط إدارة طويل النفس وُلد من عجز النظام الدولي عن الحسم، لا من رغبته في الحل. غير أن كل نمط إدارة، مهما بدا مستقرًا، يحمل في داخله تناقضاته وحدود صلاحيته. السؤال الحقيقي لم يعد: كيف تُدار المنطقة؟ بل: إلى متى يمكن إدارة الصراع بهذه الطريقة، وما الذي يأتي بعدها؟

أولًا: الإدارة الحالية ليست مشروعًا نهائيًا بل حلًّا اضطراريًا

نمط “إدارة الصراع” لم يُصمَّم ليكون مستقرًا دائمًا، بل جاء كـحل اضطراري في لحظة فقدان القدرة على:

  • فرض تسويات كبرى
  • خوض حروب شاملة
  • إعادة تشكيل الأنظمة

هو نمط يقوم على:

  • تجميد الحسم
  • توزيع الاستنزاف
  • إبقاء الجميع داخل اللعبة دون فائز

لكن هذا النمط لا يبني توازنًا حقيقيًا، بل يؤجّل الانفجار.

ثانيًا: حدود هذا النمط تبدأ من الداخل لا من الخارج

الخلل الأكبر ليس في اللاعبين الدوليين، بل في المجتمعات التي تُدار فوق رؤوسها.

  • اقتصاديات منهكة
  • مجتمعات مُستنزفة
  • أجيال بلا أفق
  • شرعيات تتآكل ببطء

إدارة الصراع قد تضبط الجبهات، لكنها لا تُنتج قبولًا اجتماعيًا، ولا تبني استقرارًا طويل الأمد. ومع الزمن، تتحول الكلفة الاجتماعية إلى عبء لا يمكن تجاهله.

ثالثًا: الفاعلون غير الدوليين… من أداة ضبط إلى عبء محتمل

تحويل الجماعات غير الدولتية إلى أدوات ضبط ينجح مرحليًا، لكنه يحمل خطرًا بنيويًا:

  • تضخم القوة خارج الدولة
  • تآكل المركز السياسي
  • اعتياد العنف كوسيلة إدارة

مع الوقت، تصبح هذه الأدوات:

  • صعبة التفكيك
  • مكلفة الاحتواء
  • قابلة للانفلات عند أي خلل في التوازن الدولي

ما يُستخدم اليوم للضبط قد يتحول غدًا إلى عامل فوضى.

رابعًا: الإعلام يفقد قدرته على الإقناع

صناعة الوعي الزائف تنجح طالما:

  • الأحداث متباعدة
  • والصدمات محدودة
  • والخطاب قابل للتصديق

لكن مع تراكم التناقضات، يبدأ الخطاب الإعلامي بفقدان فعاليته:

  • تمجيد بلا نتائج
  • شيطنة بلا حلول
  • تهديدات بلا حسم

وهنا يظهر أخطر ما في المشهد: فقدان الثقة العامة بالسرديات كلها، لا بسردية بعينها.

خامسًا: ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار الإدارة

1- الاستمرار المُنهِك (السيناريو الأرجح حاليًا)

  • استمرار الضبط
  • تصعيد محدود
  • تهدئات متقطعة
  • لا حل ولا انفجار

هذا السيناريو يُبقي المنطقة في حالة إنهاك مزمن.

2- كسر موضعي للنمط

قد يحدث:

  • انهيار في ساحة محددة
  • أو صدام غير محسوب
  • أو خروج فاعل عن الدور المرسوم

لكن هذا الكسر غالبًا ما يُعاد احتواؤه بسرعة، ما لم يتزامن مع تغير دولي كبير.

3- انتقال قسري إلى تسويات مؤلمة

وهذا لا يحدث إلا إذا:

  • تغيّر ميزان القوى الدولي بوضوح
  • أو انهارت كلفة الإدارة مقارنة بكلفة الحل

وهنا لا تكون التسويات عادلة، بل وظيفية وقاسية.

سادسًا: ما الذي لا يتجه إليه هذا النمط؟

من المهم توضيح ما لن يحدث على المدى المنظور:

  • لا انتصارات كبرى
  • لا تحرر إقليمي حقيقي
  • لا سيادة استراتيجية كاملة
  • لا انهيار شامل للنظام الإقليمي

المنظومة ستمنع هذه النهايات بكل الوسائل.

الخلاصة: إدارة بلا أفق… ولكن ليست بلا نهاية

نمط إدارة الصراع الحالي:

  • قابل للاستمرار
  • لكنه غير قابل للبقاء إلى ما لا نهاية
  • ينجح في الضبط
  • ويفشل في البناء

هو مرحلة تعليق تاريخي، تُؤجَّل فيها الأسئلة الكبرى بدل الإجابة عنها.

لكن كل تعليق طويل يولّد ضغطًا،
وكل ضغط بلا حلّ يولّد لحظة كسر.

السؤال لم يعد: هل سينهار هذا النمط؟

بل: متى، وبأي كلفة، وعلى حساب من؟

سلسلة: إدارة الصراعات في الشرق الأوسط

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.