لماذا يكرر القادة العظام الأخطاء نفسها؟

حين يتحول التاريخ من درسٍ إلى فخ

ليس تكرار الأخطاء الكبرى في التاريخ العسكري والسياسي مجرد مصادفة، ولا ناتجًا عن ضعف الذاكرة الجماعية، بل هو نتيجة بنية تفكير سلطوية ترى نفسها استثناءً من قوانين الواقع. من نابليون في روسيا، إلى هتلر، مرورًا ببريطانيا في أفغانستان، ثم الاتحاد السوفياتي، وصولًا إلى الولايات المتحدة في فيتنام وأفغانستان… النمط واحد، والخطأ ذاته يتكرر بأدوات مختلفة.

أولًا: وهم الاستثناء التاريخي

أخطر ما يصيب القادة الكبار ليس الجهل بالتاريخ، بل الاعتقاد بأنهم لا يخضعون له.
كل قوة صاعدة ترى نفسها حالة فريدة:

  • نابليون اعتبر نفسه تحديثًا للحرب لا يمكن أن تقف الطبيعة في وجهه.
  • هتلر رأى أن الآلة الألمانية تختلف جذريًا عن الجيوش السابقة.
  • الولايات المتحدة اعتقدت أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطيران سيكسر قوانين الجغرافيا والمجتمع.

في كل مرة، يُعاد إنتاج نفس الوهم:

نحن نعرف ما لم يعرفه من قبلنا.

ثانيًا: إساءة فهم القوة

القادة لا يخطئون في تقدير قوتهم، بل في تعريفها أصلًا.

القوة ليست:

  • عدد الدبابات
  • حجم القصف
  • التفوق الجوي
  • السيطرة الإعلامية

القوة الحقيقية تشمل:

  • القدرة على كسر إرادة الخصم
  • فهم البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع المستهدف
  • تحمّل حرب طويلة غير محسومة
  • إنتاج شرعية سياسية بعد الاحتلال

فرنسا في فيتنام امتلكت السلاح، لكنها لم تمتلك المجتمع.
أمريكا في فيتنام وأفغانستان امتلكت الجو، لكنها لم تمتلك الأرض.
السوفيات في أفغانستان امتلكوا السيطرة العسكرية، لكنهم فقدوا المعنى السياسي للحرب.

ثالثًا: الجغرافيا ليست خلفية… بل فاعل سياسي

روسيا ليست مجرد مساحة، وأفغانستان ليست مجرد جبال، وفيتنام ليست مجرد أدغال.
هذه البيئات تعيد تشكيل الحرب نفسها.

  • روسيا تُهزم الغزاة بالمسافة والشتاء والعمق الاستراتيجي.
  • أفغانستان تُفكك الجيوش عبر الاستنزاف والتشظي والكمائن.
  • فيتنام تحوّل كل شبر إلى عبء على المحتل.

القادة الكبار غالبًا يتعاملون مع الجغرافيا كـ عائق تقني، لا كـ فاعل تاريخي، فيدفعون الثمن.

رابعًا: تجاهل درس «المقاومة طويلة النفس»

ما يجمع كل هذه الهزائم ليس قوة الخصم العسكرية، بل إرادته.

  • الروس لم يهزموا نابليون بقوة السلاح فقط، بل بالصبر والانسحاب والتضحية.
  • الفيتناميون هزموا فرنسا وأمريكا بإرادة لا تُقاس بالكلفة البشرية.
  • الأفغان أسقطوا إمبراطوريات لأنهم قبلوا حربًا بلا سقف زمني.

القوى الكبرى تفكر دائمًا بمنطق:

متى ننتصر؟

بينما المجتمعات المقاومة تفكر بمنطق:

كم نستطيع أن نصمد؟

وهنا يُحسم التاريخ.

خامسًا: الخلط بين إسقاط النظام وبناء الدولة

واحد من أخطر أخطاء القادة المعاصرين، خصوصًا الولايات المتحدة، هو الاعتقاد أن:

إسقاط النظام = انتصار

لكن التجارب أثبتت أن:

  • إسقاط طالبان 2001 لم يكن هزيمتها.
  • إسقاط صدام حسين لم يبنِ دولة.
  • إسقاط حكومة فيتنام الجنوبية لم يمنح واشنطن الشرعية.

القوة قادرة على التدمير، لكنها عاجزة عن إنتاج نظام مستقر دون قبول اجتماعي حقيقي.

سادسًا: ضغط السياسة الداخلية

في حالات كثيرة، لم تكن الحروب خيارًا عقلانيًا، بل هروبًا سياسيًا للأمام.

  • نابليون كان يحتاج نصرًا يعزز هيبته.
  • هتلر كان يسابق الزمن قبل التفكك الداخلي.
  • أمريكا بعد 11 سبتمبر احتاجت ردًا رمزيًا يعيد الهيبة.

في هذه اللحظات، يصبح القرار العسكري عاطفيًا مغلفًا بالعقلانية، ويُدفع التاريخ مرة أخرى نحو نفس الحفرة.

سابعًا: لماذا لا يتعلم القادة؟

لأن التعلم الحقيقي يتطلب:

  • الاعتراف بحدود القوة
  • قبول أن الماضي ما زال حيًا
  • إدراك أن المجتمعات ليست جداول بيانات

وهذه أمور تتناقض مع طبيعة السلطة الإمبراطورية، التي تقوم أصلًا على فكرة التفوق والسيطرة.

خاتمة: التاريخ لا يعيد نفسه… نحن من نعيده

التاريخ لا يُجبر القادة على تكرار الأخطاء، لكنه يعاقب من يرفض فهمه.
من روسيا إلى فيتنام إلى أفغانستان، الرسالة واحدة:

القوة التي لا تفهم المجتمع، ولا تحترم الجغرافيا، ولا تتحمل الزمن،
محكوم عليها بالاستنزاف ثم الانسحاب… مهما طال الزمن.

هذا ليس تمجيدًا للمقاومة، ولا شماتة بالقوى العظمى، بل تفكيك لآلية العمى السلطوي حين يتحول التفوق إلى غرور، والتاريخ إلى مجرد حاشية منسية.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.