
أولًا: تعريف الطابور الخامس (خارج الصورة الكلاسيكية)
الطابور الخامس ليس مجرد أشخاص يعملون لحساب دولة أو جهة معادية في زمن الحرب، بل شبكة من العناصر المندمجة في المجتمع والدولة، تعمل بهدوء وعلى مدى سنوات، وأحيانًا لأجيال، بهدف التأثير على القرار، إعادة توجيه السياسات، أو تسهيل اختراق بنية الدولة من الداخل.
الفرق الجوهري بين الطابور الخامس التقليدي وهذا النمط الحديث، أن الأخير لا يعمل بوصفه جسمًا طارئًا، بل يسعى إلى زرع نفوذ مستدام يصبح جزءًا من النسيج الاجتماعي والسياسي، بحيث يصعب فصله أو حتى الشك في وجوده.
ثانيًا: آليات العمل طويلة المدى
1. الاندماج الاجتماعي والسياسي
لا يظهر عناصر الطابور الخامس كتهديد مباشر، بل يندمجون في:
- الأحزاب السياسية
- المؤسسات التعليمية
- الإعلام
- عالم الأعمال
- النقابات والمجتمع المدني
الغاية ليست المواجهة، بل بناء الثقة، التدرج في المواقع، والتسلل الهادئ.
2. زرع الأفكار والسرديات
يعتمد الطابور الخامس على نشر أفكار وثقافات معينة تدريجيًا، تجعل المجتمع يتقبل تحولات تخدم أجندات بعيدة:
- عبر التعليم
- الإعلام
- الفنون
- المبادرات الاجتماعية
هنا لا تُفرض القناعات بالقوة، بل تُقدَّم باعتبارها حداثة، واقعية، أو تطورًا طبيعيًا.
3. التجنيس والتوارث
في بعض الحالات، يمتد المشروع لأجيال:
- داخل عائلات
- أو شبكات اجتماعية ضيقة
لا يُزرع الولاء بشكل مباشر، بل يُعاد تشكيل الوعي بحيث يتبنى الأفراد خيارات تخدم المشروع دون إدراكٍ كامل للسياق الأشمل.
4. التجنيد والاستخبارات الناعمة
بعض العناصر تُجنَّد مباشرة عبر قنوات استخباراتية، والبعض الآخر يتشكل عبر شبكة علاقات ومصالح تتحول تدريجيًا إلى نفوذ استراتيجي يُستخدم لجمع المعلومات، التأثير على القرار، أو تسهيل عمليات غير مرئية.

ثالثًا: الأهداف البعيدة للطابور الخامس
- التأثير على السياسات الكبرى للدولة
- تشكيل الرأي العام وتوجيهه
- تسهيل اختراق المؤسسات من الأمن إلى الاقتصاد والثقافة
- تأمين نفوذ دائم يتجاوز تغير الحكومات والأنظمة
هذا نمط اختراق بطيء، يشبه فيروسًا ثقافيًا وسياسيًا: لا يُشعِر بخطره فورًا، لكنه يغيّر البنية من الداخل.
رابعًا: من يدفع فاتورة الطابور الخامس؟
السؤال الحاسم ليس عن الوجود، بل عن الاستمرار. فمن دون تمويل، لا تعيش أي شبكة طويلًا.
المرحلة الأولى: التمويل البذري (زرع الخلية)
يبدأ كل مشروع اختراق طويل الأمد بتمويل تأسيسي يأتي غالبًا عبر:
- أجهزة استخبارات دولية
- مؤسسات نفوذ مرتبطة بدول كبرى
- شبكات ضغط سياسية واقتصادية
هذا التمويل لا يهدف إلى الإعالة الدائمة، بل إلى فتح الأبواب، بناء العلاقات، وإدخال العناصر إلى مواقع حساسة. بعد ذلك يبدأ الانسحاب التدريجي للدعم المباشر.
المرحلة الثانية: الواجهات الأخلاقية
يظهر هنا الغطاء الأكثر فاعلية:
- منظمات غير حكومية
- برامج تنمية وديمقراطية
- منح تعليمية وثقافية
- مشاريع إعلامية وبحثية
المال يبدو قانونيًا وأخلاقيًا، لكن وظيفته الحقيقية هي إعادة تشكيل الوعي والسردية، لا تنفيذ النشاط المعلن فقط.
المرحلة الثالثة: التمويل الذاتي
وهنا يدخل الطابور الخامس أخطر أطواره:
- تأسيس شركات
- السيطرة على إعلام خاص
- الاستثمار في التعليم والبحث
- الشراكة مع رأس المال المحلي
في هذه المرحلة، تصبح الشبكة ممولة من السوق، وأحيانًا من الدولة نفسها التي اخترقتها.
خامسًا: الجيل الثاني – توريث النفوذ لا الولاء
في المشاريع الممتدة، لا يُدرَّب الأبناء على العمالة، بل على:
- نمط تفكير محدد
- شبكة علاقات نخبوية
- تصور خاص للوطن والسيادة
الجيل الجديد لا يرى نفسه جزءًا من اختراق، بل جزءًا من "نخبة واقعية". هنا تتحول الخطورة إلى ولاء بنيوي غير واعٍ.
سادسًا: لماذا لا يُكتشف الطابور الخامس؟
لأن:
- المال قانوني
- المؤسسات مسجلة رسميًا
- الخطاب أخلاقي وغير صدامي
- لا توجد خيانة صريحة
الطابور الخامس الحديث لا يعمل ضد الدولة، بل يعمل على إعادة تعريف الدولة نفسها.
سابعًا: إسقاط واقعي – الطابور الخامس في السياق العربي
في الواقع العربي، لا يظهر الطابور الخامس كجسم دخيل، بل كجزء من إعادة هندسة الدولة بعد الاستعمار. نخب تشكّلت داخل منظومات تمويل وتدريب خارجية، ثم أُعيد تدويرها محليًا باعتبارها خبرات وطنية.
لم يعد الاختراق مرتبطًا بالأمن الصلب، بل بملفات الاقتصاد، التعليم، الإعلام، وتعريف السيادة. يصبح التدخل الخارجي "شراكة"، والتبعية "اندماجًا عالميًا"، ونزع القرار الوطني "واقعية سياسية".
ثامنًا: تشديد النبرة – حين يصبح الاختراق هو القاعدة
المشكلة لم تعد في وجود طابور خامس، بل في تحوّله إلى نموذج حكم غير معلن. حين تُدار الدولة بعقلية الممول، وتُصاغ السياسات وفق معايير المانحين، لا حاجات المجتمع، تصبح الدولة في حالة عمل ضد ذاتها دون إعلان.
يفقد المجتمع قدرته على المقاومة، لا بفعل القمع فقط، بل لأن الوعي أُعيدت صياغته ليبرر القيد.
الخلاصة التفكيكية الحادة
الطابور الخامس الحديث:
- يبدأ بمال خارجي
- يُشرعن عبر خطاب أخلاقي
- يُموَّل من السوق والدولة
- ويُدافع عنه أبناء المجتمع أنفسهم
هنا لا تعود المعركة أمنية، بل معركة على تعريف الواقع والسيادة، لا على إدارة أزمة عابرة.