
أولًا: حماس كفاعل خارج القواعد
منذ نشأتها، وُضعت حماس في خانة «الفاعل غير النظامي». فهي:
- لا تنتمي إلى دولة معترف بها.
- لا تتحرك ضمن منظومة التحالفات الدولية.
- ولا تقبل بالشروط السياسية التي يفرضها النظام العالمي للاعتراف.
هذا التموضع لا يجعلها «حالة شاذة»، بل يكشف جوهر المشكلة: النظام الدولي لا يعترف إلا بمن يقبل قواعده، لا بمن يطالب بتغييرها. وبالتالي، فإن الصراع مع حماس ليس صراعًا على الأمن فقط، بل على شرعية الفعل خارج المنظومة.
ثانيًا: إسرائيل ليست الخصم الوحيد
في التحليل السائد، تُقدَّم إسرائيل بوصفها العدو المركزي لحماس. هذا توصيف ناقص.
إسرائيل في الواقع:
- رأس حربة متقدمة.
- أداة تنفيذ عسكرية وأمنية.
- عقدة ضبط إقليمي في منظومة أوسع.
أما الخصم الحقيقي، فهو شبكة متكاملة تضم:
- النظام الدولي الغربي بوصفه حامي الترتيب القائم.
- أنظمة إقليمية وظيفية ترى في أي تحرر فلسطيني تهديدًا مباشرًا لبقائها.
- منظومة إعلامية تُعيد تعريف الضحية والجلاد وفق الحاجة السياسية.
بهذا المعنى، لا تواجه حماس جيشًا، بل بنية منع تاريخية.
ثالثًا: الحصار كأداة ضبط لا كإجراء أمني
الحصار المفروض على غزة ليس إجراءً أمنيًا مؤقتًا، بل سياسة طويلة الأمد ذات وظائف محددة:
منع تشكّل نموذج مقاوم قابل للتكرار.
إبقاء المجتمع في حالة إنهاك دائم تمنع التحول السياسي.
فصل المقاومة عن عمقها الاجتماعي والاقتصادي.
والأهم: أن الحصار لا يُمارَس فقط بالقوة العسكرية، بل عبر:
- الاقتصاد.
- المعابر.
- إعادة الإعمار المشروط.
- التحكم في ضروريات الحياة اليومية.
هنا يتحول الصراع من مواجهة عسكرية إلى إدارة بقاء.
رابعًا: النظام العربي الوظيفي ودوره البنيوي
الحديث عن «خذلان عربي» لا يفي بالغرض التحليلي. المسألة أعمق.
جزء معتبر من النظام العربي:
- نشأ داخل ترتيبات ما بعد الاستعمار.
- رُبط أمنه الداخلي والخارجي باستقرار إسرائيل.
- أُعيد تعريف دوره كحارس للاستقرار، لا كفاعل تحرري.
في هذا الإطار، لا يُنظر إلى حماس كحركة مقاومة، بل كـ:
- تهديد رمزي لفكرة الخضوع.
- نموذج خطر لإمكانية التمرّد.
- كسر محتمل لهيبة النظام الإقليمي.
لذلك، يصبح محاصرة غزة مصلحة مشتركة، لا مجرد تواطؤ عابر.
خامسًا: لماذا يُراد نزع سلاح حماس أصلًا؟
السؤال الأدق ليس: لماذا لا يُسمح لحماس بالانتصار؟
بل: لماذا لا يُسمح بوجود مقاومة مسلحة من الأساس؟
النظام الدولي لا يتعامل مع حماس بوصفها مشكلة لأنها «قد تنتصر»، بل لأنها ترفض التحول إلى فاعل منزوع القوة. المطلوب ليس هزيمتها عسكريًا فقط، بل إعادة تشكيلها سياسيًا وأخلاقيًا على نموذج منظمة التحرير بعد أوسلو: مقاومة رمزية، احتجاج سلمي، وسلطة بلا أدوات ردع حقيقية.
في هذا الإطار، تُقبل فلسطين فقط إذا كانت:
- بلا سلاح مؤثر.
- بلا قدرة ردع.
- بلا إمكانية فرض كلفة على الاحتلال.
أما إسرائيل، فيُسمح لها بأن تكون:
- دولة مدججة بالسلاح.
- محمية دوليًا.
- فوق المساءلة القانونية.
هنا لا نتحدث عن ازدواجية معايير، بل عن بنية ضبط: طرف يُطالَب بالأخلاق المجردة، وطرف يُمنَح احتكار العنف الكامل. وعليه، فإن الصراع لا يُدار للسماح بالقتال ثم منعه من النصر، بل لإجبار الفلسطيني على القبول بصيغة مقاومة لا تهدد ميزان القوة أصلًا.
سادسًا: حماس بين العقل الاستراتيجي وسقف الواقع
لا يمكن إنكار أن قيادة حماس طوّرت:
- فهمًا عميقًا للحرب غير المتكافئة.
- قدرة على إدارة الموارد المحدودة.
- مرونة تكتيكية في بيئة معقّدة.
لكن هذه القدرات تصطدم دائمًا بـ:
- انقسام فلسطيني مزمن.
- ضغط إنساني وأخلاقي هائل.
- تدخلات إقليمية متناقضة.
- نظام دولي يعيد ضبط النتائج.
وهنا يتحول الإنجاز العسكري إلى عبء سياسي، ويصبح الصمود ذاته إنجازًا بلا أفق تحرري واضح.
سابعًا: الصراع المُدار بدل الصراع المحسوم
القضية الفلسطينية اليوم ليست صراعًا مفتوحًا على النصر، بل صراع مُدار:
- يُضبط إيقاعه.
- تُحدد سقوفه.
- وتُعاد صياغة نتائجه بعد كل انفجار.
في هذا السياق، تُستخدم حماس أحيانًا كـ:
- فزاعة أمنية.
- مبرر لاستمرار الحصار.
- أداة لإعادة إنتاج الواقع نفسه.
والخطر هنا ليس في الهزيمة، بل في التطبيع مع الدوامة.
خاتمة
حماس ليست المشكلة، وليست الحل الكامل. هي تعبير مكثف عن مأزق أعمق: مأزق شعب يحاول التحرر داخل نظام صُمّم لمنع التحرر. تقييم تجربة حماس لا يكون بسؤال النصر والهزيمة فقط، بل بفهم حدود الفعل الممكن داخل عالم مغلق. وفي هذا الفهم، يتضح أن المعركة الحقيقية ليست في غزة وحدها، بل في بنية النظام الذي جعل من فلسطين اختبارًا دائمًا لحدود العدالة والقوة معًا.