
لم تُخترع «نظرية المؤامرة» لتفسير الواقع، بل لتأديبه. لم تظهر بوصفها مفهومًا معرفيًا، بل كأداة لغوية لضبط الوعي وحدود التفكير. هي ليست توصيفًا للخطأ، بل حكمًا بالإعدام على السؤال نفسه. وحين تتحول اللغة إلى سلاح، يصبح إنكار المؤامرة… هو المؤامرة بعينها.
أولًا: التآمر كحقيقة تاريخية لا كافتراض
التاريخ السياسي ليس سجلًا للشفافية، بل أرشيفًا للتفاهمات السرية، والانقلابات الناعمة، والتحالفات الخفية، والصفقات التي لا تُكتب في البيانات الرسمية. الدول الكبرى لا تُدار عبر الخطب، بل عبر:
- غرف مغلقة
- مراكز نفوذ
- شبكات مصالح عابرة للحدود
القول إن العالم يُدار دون تآمر هو إنكار لآليات السلطة نفسها. التآمر ليس استثناءً في السياسة، بل أحد أدواتها الدائمة.
ثانيًا: متى أصبح السؤال مرضًا؟
في لحظة مفصلية من التاريخ المعاصر، لم يعد التشكيك في الرواية الرسمية يُقابَل بالحجج، بل بالتشخيص النفسي. لم يُسأل المشكك: لماذا تعتقد ذلك؟ بل: ما مشكلتك؟
هنا حدث الانقلاب الخطير:
- السؤال لم يُفنَّد
- بل جرى تجريم صاحبه
أُخرج الشك من دائرة العقل إلى دائرة المرض، وأُلصق به مصطلح جاهز: «نظرية مؤامرة».
ثالثًا: المصطلح كاختراع سلطوي
لم ينتشر مصطلح «نظرية المؤامرة» صدفة، بل في سياق سياسي محدد، بعد لحظات صدمة هزّت الثقة في الدولة العميقة، وعلى رأسها اغتيال كينيدي، وفضائح الاستخبارات، وتسريبات السلطة.
كان المطلوب ليس دحض الأسئلة، بل تحييدها اجتماعيًا. وهكذا وُلد المصطلح بوظيفة واحدة:
نزع الشرعية عن أي رواية تنافس الرواية الرسمية، دون الحاجة إلى نقاشها.
رابعًا: الخلط المتعمد بين التحليل والهلوسة
أخطر ما في «نظرية المؤامرة» ليس نفيها للوقائع، بل خلطها المتعمد بين مستويين مختلفين تمامًا:
- التحليل القائم على الوقائع والقرائن
- والخرافة القائمة على التفسير الغيبي والتهويم
بهذا الخلط، يُدفن كل تفكير نقدي جاد تحت سيل من السخرية، ويُسوّى الباحث بالمهووس، والمحلل بالعراف.
هذه ليست صدفة لغوية، بل حيلة إعلامية متقنة.
خامسًا: الإعلام كحارس للرواية لا كناقد لها
الإعلام السائد لا يسأل إن كان الادعاء صحيحًا أو مدعومًا، بل يسأل سؤالًا واحدًا فقط:
هل يهدد هذا الطرح استقرار السردية المعتمدة؟
إن كان الجواب نعم، فالتوصيف جاهز، والتهمة جاهزة، والنقاش يُغلق فورًا.
هنا لا يعمل الإعلام بوصفه سلطة رقابة، بل بوصفه سلطة ضبط.
سادسًا: حين تتحول «نظرية المؤامرة» إلى حقيقة مؤجلة
التاريخ الحديث مليء بأمثلة كانت يومًا ما «نظريات مؤامرة»، ثم تحولت لاحقًا إلى حقائق موثقة:
- برامج تجسس شاملة
- تلاعب اقتصادي ممنهج
- حروب بذرائع ملفقة
لكن الاعتراف يأتي دائمًا متأخرًا، بعد أن تكون النتائج قد تحققت، والخسائر قد وقعت، والمساءلة قد ماتت.
سابعًا: الخطر الحقيقي ليس في التصديق… بل في المنع
المشكلة ليست في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يُمنعوا من التفكير في أي شيء. حين يُصادر الشك، تُصادر القدرة على الفهم. وحين تُقدَّس الرواية الرسمية، تتحول الدولة إلى كيان معصوم من المساءلة.
إن أخطر أشكال الوصاية ليست القمع المباشر، بل القمع المعرفي.
ثامنًا: مثال معاصر – الحرب على غزة وشرعنة الرواية الواحدة
في الحالة الفلسطينية، وتحديدًا في الحرب على غزة، لم تعد «نظرية المؤامرة» توصيفًا فكريًا، بل صارت سلاحًا جاهزًا في المعركة الإعلامية. هنا لا يُستهدف السلاح أو الفعل فقط، بل يُستهدف الوعي نفسه.
أي محاولة لطرح أسئلة بديهية — لا اتهامية — من قبيل:
- كيف صيغت الرواية الأولى، ومن صاغها؟
- لماذا سُمح لرواية واحدة بالانتشار عالميًا خلال الساعات الأولى؟
- كيف جرى توحيد اللغة الإعلامية، والمصطلحات، والصور المختارة؟
تُقابل فورًا بردّ آلي: «نظرية مؤامرة».
هذه التهمة لا تُستخدم لنفي الوقائع، بل لإغلاق مجال التفكير. لا يُطلب منك أن تخطئ، بل أن تصمت. أن تقبل السردية كما هي، وأن تؤجل الأسئلة إلى ما بعد انتهاء الحرب… أي إلى ما بعد انتهاء فائدتها.
الأخطر أن المصطلح لا يُستخدم ضد الادعاءات العبثية فقط، بل ضد أي تحليل يحاول تفكيك:
- إدارة التوقيت الإعلامي
- انتقائية عرض الصور والضحايا
- توزيع التعاطف الإنساني على أساس سياسي
ومع مرور الوقت، تبدأ المفارقة في الظهور: تراجعات، اعترافات جزئية، تصحيحات خجولة، أو تسريبات تؤكد أن الرواية الأولى لم تكن دقيقة ولا مكتملة. لكن حينها، تكون التهمة قد أدت وظيفتها، والسردية قد استقرت في الوعي العام.
هكذا تعمل «نظرية المؤامرة» في الواقع المعاصر: ليست أداة لتكذيب الخرافة، بل آلية لتأجيل الحقيقة حتى تفقد قدرتها على الإزعاج.
تاسعًا: الخطر الحقيقي – حين تُدار الحقيقة بزمنها
السلطة لا تحتاج دائمًا إلى الكذب الصريح؛ يكفيها أن تتحكم في التوقيت. ما يُكشف لاحقًا لا يهددها، لأن الوعي يكون قد تشكّل، والمواقف قد تجذّرت، والمسؤوليات قد تلاشت.
من هنا، يصبح التشكيك المبكر أخطر من الخطأ نفسه. ليس لأنه غير عقلاني، بل لأنه يسبق الرواية الرسمية بخطوة.
الخلاصة: من يخاف من الأسئلة؟
ليست كل رواية بديلة صحيحة، لكن ليس كل نفي بريئًا. الوعي لا يُبنى على التسليم، ولا على الارتياب الأعمى، بل على التفكيك والمقارنة والربط بين الوقائع.
أما حين تتحول كلمة واحدة — «نظرية مؤامرة» — إلى عصا لغوية تُشهر في وجه كل سؤال، فذلك إعلان واضح بأن المشكلة ليست في صحة السؤال، بل في نتائجه المحتملة.
في عالم تُدار فيه الحروب بالسلاح والإعلام معًا، يصبح منع الشك أكثر خطورة من نشر الكذب.
ومن يمنعك من السؤال، لا يفعل ذلك حمايةً للعقل، بل خوفًا مما قد يراه حين يبدأ بالتفكير.