
ليست قناة السويس مجرّد إنجاز هندسي اختصر المسافات بين الشرق والغرب، بل هي واحدة من أخطر نقاط الاختناق الجيوسياسي في التاريخ الحديث. منذ لحظة حفرها، لم تكن القناة ممرًا للسفن فقط، بل ممرًا للهيمنة، تُقاس عبره قدرة الدول العظمى على السيطرة، والخنق، وإعادة ترتيب النظام العالمي. كل سفينة تعبر القناة تحمل معها أكثر من بضائع؛ تحمل ميزان قوة، وسؤال سيادة، وقلق إمبراطوريات.
القناة كفكرة استعمارية
وُلدت قناة السويس في سياق توسّع استعماري أوروبي لا في سياق تعاون دولي. الفكرة لم تكن خدمة التجارة العالمية بقدر ما كانت اختصار الطريق بين المركز الإمبراطوري ومستعمراته. بريطانيا فهمت مبكرًا أن من يسيطر على السويس لا يسيطر على مصر فقط، بل على شرايين الإمبراطورية بأكملها.
منذ القرن التاسع عشر، تحولت القناة إلى:
- أداة ربط بين رأس المال الأوروبي والأسواق الآسيوية
- قاعدة استراتيجية للنفوذ العسكري
- وسيلة لضمان تفوق بحري طويل الأمد
وهكذا، لم تكن السويس ممرًا محايدًا، بل اختراعًا جيوسياسيًا منحازًا منذ ولادته.
السويس وصدام الإرادات الكبرى
أزمة السويس عام 1956 لم تكن مجرد رد فعل على قرار التأميم، بل كانت لحظة انكشاف تاريخية:
- القوى الاستعمارية القديمة (بريطانيا وفرنسا) حاولت استعادة السيطرة بالقوة
- الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي تدخلا لإعادة ضبط المشهد
- ومصر تحولت فجأة من دولة هامشية إلى فاعل في معادلة دولية
الدرس لم يكن في الانتصار أو الهزيمة العسكرية، بل في حقيقة أن:
القناة لم تعد مجرد ممر، بل أصبحت ساحة صراع على تعريف من يحكم العالم.
القناة في زمن الحرب الباردة
خلال الحرب الباردة، لم تكن قناة السويس في الواجهة الإعلامية، لكنها بقيت في عمق الحسابات الاستراتيجية:
- إغلاقها أو تهديدها كان يعني اضطرابًا عالميًا في الطاقة والتجارة
- وجودها تحت سيطرة دولة غير تابعة بالكامل لأي معسكر جعلها عامل عدم يقين في الحسابات الكبرى
القناة هنا لعبت دور “العنصر الصامت”: لا تصرخ، لكنها تغيّر المعادلات بمجرد احتمال تعطلها.
السويس في النظام العالمي المعاصر
اليوم، تمر عبر قناة السويس نسبة حيوية من التجارة العالمية، والطاقة، وسلاسل الإمداد. لكن الأهم من الأرقام هو رمزيتها السياسية:
- هي نقطة تذكير بأن العولمة ليست شبكة مفتوحة بالكامل
- وأن هناك عقدًا يمكنها شلّ النظام بأكمله
حادثة جنوح سفينة واحدة كشفت هشاشة النظام العالمي، وأثبتت أن:
العالم المتصل رقميًا ما زال رهينة ممرات مائية قديمة.
السباق الجيوسياسي حول البدائل
القوى الكبرى لا تنظر إلى السويس فقط كممر، بل كمشكلة يجب التحوط منها:
- مشاريع ممرات بديلة
- طرق قطبية جديدة
- استثمارات في موانئ ومضائق منافسة
لكن paradox الجغرافيا يقول إن:
- البدائل مكلفة
- والمخاطر السياسية أعلى
- والاعتماد على السويس سيبقى قائمًا
وهذا ما يجعل القناة ورقة استراتيجية دائمة في يد من يسيطر عليها، حتى دون استخدامها صراحةً للضغط.
القناة والصراع العالمي القادم
في عالم يتجه نحو:
- تعددية قطبية
- صراعات تجارية حادة
- تسييس سلاسل الإمداد
تصبح قناة السويس:
- نقطة اختبار لسيادة الدول المتوسطة
- ومسرحًا محتملاً لضغوط غير عسكرية
- وأداة تفاوض غير معلنة في صراعات كبرى
الخطر الحقيقي ليس في إغلاق القناة، بل في تحويلها إلى ساحة ابتزاز سياسي أو اقتصادي دون إعلان حرب.
ما الذي لا يُقال؟
الخطاب السائد يتعامل مع القناة كأصل اقتصادي، بينما حقيقتها أنها:
- أصل سياسي
- وأداة قوة
- ونقطة ضعف عالمية في آن واحد
الدول العظمى لا تخشى القناة لأنها مملوكة لدولة بعينها، بل لأنها تُذكّرها بأن السيطرة الكاملة على العالم مستحيلة.
خلاصة
قناة السويس ليست ممرًا للتجارة، بل مرآة للنظام الدولي:
- في الماضي كانت رمزًا للهيمنة الاستعمارية
- في الحاضر هي نقطة اختناق للنظام المعولم
- وفي المستقبل ستكون ساحة صراع هادئ على النفوذ، لا تقل خطورة عن الحروب الصاخبة
من يسيطر على السويس لا يحكم العالم، لكنه يستطيع تعطيله.
وهذا، في منطق السياسة الدولية، قوة لا تُقدّر بثمن.