
لم يكن فشل الانقلاب العسكري في تركيا عام 2016 مجرد إحباط لمحاولة استيلاء على السلطة، بل شكّل لحظة كاشفة في التاريخ السياسي المعاصر، لحظة تداخل فيها المحلي بالعالمي، وانكشفت خلالها هشاشة النظام الدولي القائم على الانضباط الأطلسي والوظائف الوكيلة. ما جرى في أنقرة وإسطنبول لم يكن صراعًا على الحكم فحسب، بل اختبارًا عمليًا لحدود السيطرة الغربية، ولمستقبل الدولة القومية في عالم يتفكك فيه مركز القرار الدولي.
أولًا: الانقلاب بوصفه صدامًا بين نموذجين للدولة
القراءة السطحية تختزل الحدث في صراع بين حكومة مدنية ومؤسسة عسكرية، لكن التحليل الأعمق يكشف أن الانقلاب كان صدامًا بين نموذجين للدولة:
نموذج الدولة الوظيفية المرتبطة بالشبكات العابرة (الأمنية، العسكرية، الاقتصادية).
ونموذج الدولة السيادية التي تسعى – ولو بشكل متناقض – لاستعادة قرارها المستقل.
فشل الانقلاب لم يعنِ انتصار الديمقراطية بالمفهوم الليبرالي، بل انتصار مركز القرار السياسي على الدولة الموازية، وهو فارق جوهري يتجاهله الإعلام عمدًا.
ثانيًا: نهاية الجيش كفاعل فوق الدولة
منذ تأسيس الجمهورية، كان الجيش التركي فاعلًا سياسيًا لا مؤسسة دفاعية فقط. فشل الانقلاب لم يُضعف الجيش كقوة عسكرية، بل ألغى دوره كفاعل سياسي مستقل.
هذا التحول له دلالة عالمية:
النظام الدولي بعد الحرب الباردة اعتمد على جيوش الدول الطرفية كضامن أخير للانضباط الجيوسياسي. ما حدث في تركيا هو أول كسر حقيقي لهذا النموذج داخل دولة مركزية في الناتو.
منذ تلك اللحظة، لم يعد الجيش التركي قناة ضغط خارجية سهلة، بل أداة دولة مركزية، مهما كان الجدل حول طبيعة هذه الدولة.
ثالثًا: الانقلاب وفقدان الغرب احتكار إدارة الحلفاء
الصدمة الحقيقية لم تكن في فشل الانقلاب، بل في ارتباك رد الفعل الغربي.
ذلك الارتباك كشف أن أدوات الضبط التقليدية (الجيش، الاقتصاد، الشرعية الدولية) لم تعد تعمل بالفعالية ذاتها.
من هنا بدأت تركيا تتحرك وفق معادلة جديدة:
ليست خصمًا للغرب،
لكنها لم تعد تابعًا مضمونًا له.
وهذه الحالة بالذات أخطر على النظام الدولي من العداء الصريح؛ لأنها تفتح الباب أمام دول أخرى لإعادة التفاوض على موقعها دون إعلان قطيعة.
رابعًا: التحول من الاصطفاف إلى المناورة
ما بعد 2016، لم تغيّر تركيا تحالفاتها بقدر ما غيّرت منطق تحركها داخل التحالفات.
انتقلت من سياسة الاصطفاف إلى سياسة المناورة.
العلاقة مع الناتو لم تُلغَ، لكنها فُرّغت من طابع الطاعة.
العلاقة مع روسيا لم تُبْنَ على تحالف، بل على تقاطع مصالح ظرفي.
العلاقة مع الإقليم لم تعد أيديولوجية خالصة، بل براغماتية أمنية واقتصادية.
هذه السياسة ليست فضيلة أخلاقية ولا انحرافًا سياسيًا؛ إنها استجابة دولة تشعر بأن النظام العالمي لم يعد يوفر ضمانات.
خامسًا: الانقلاب كنقطة تسريع لعالم متعدد الأقطاب
لو نجح الانقلاب، لكانت تركيا عادت إلى دورها التقليدي:
دولة كبيرة، لكنها مُدارة من الخارج.
فشله سرّع مسارًا كان قائمًا أصلًا:
تفكك المركز الغربي، وصعود عالم بلا قائد واحد.
تركيا لم تصنع هذا التحول، لكنها استفادت منه، وأصبحت حالة اختبار:
هل يمكن لدولة متوسطة القوة أن تخرج جزئيًا من الوصاية دون أن تُسحق؟
الإجابة حتى الآن: نعم، ولكن بثمن داخلي مرتفع.
سادسًا: الدولة القوية مقابل المجتمع الهش
أحد أثمان فشل الانقلاب كان إعادة بناء الدولة على حساب المجتمع.
هذا ليس تبريرًا ولا إدانة، بل توصيف لقاعدة تاريخية:
كل دولة تستعيد سيادتها في لحظة تهديد وجودي، تميل إلى المركزية الصلبة.
المفارقة أن هذه المركزية:
تحمي الدولة خارجيًا،
لكنها تضعف العقد الاجتماعي داخليًا.
وهذا التوتر هو القنبلة المؤجلة في التجربة التركية، وليس مسألة الديمقراطية بمعناها الإعلامي.
سابعًا: الانقلاب كنهاية وهم “الاستقرار الليبرالي”
ما كشفه فشل الانقلاب هو زيف فرضية أن:
الاندماج في النظام الليبرالي العالمي يضمن الاستقرار.
تركيا كانت مندمجة اقتصاديًا، عسكريًا، سياسيًا، ومع ذلك تعرضت لمحاولة تفكيك من الداخل.
هذه الرسالة وصلت بوضوح إلى:
دول آسيا،
دول الشرق الأوسط،
وحتى بعض دول أوروبا الشرقية.
ومن هنا نفهم لماذا باتت السيادة، لا الديمقراطية، هي الكلمة المفتاحية في الخطاب السياسي العالمي.
ثامنًا: تركيا كمرآة لا كنموذج
الخطأ الشائع هو التعامل مع تركيا كنموذج يُحتذى أو يُحارب.
الأدق هو النظر إليها كـ مرآة:
مرآة لأزمة النظام الدولي.
مرآة لعجز الأدوات القديمة.
مرآة لصعود دول تحاول اللعب بين الخطوط بدل الاصطفاف داخلها.
فشل الانقلاب لم يصنع تركيا جديدة فقط، بل كشف أن العالم نفسه لم يعد كما كان.
خاتمة: حين تفشل الانقلابات… ولا ينجو النظام الدولي
فشل الانقلاب العسكري في تركيا لم يكن انتصارًا لنظام، ولا هزيمةً لخصومه، بل كان لحظة انكسار في منطق إدارة العالم نفسه. تلك الليلة لم تُسقِط حكومة، لكنها أسقطت وهمًا راسخًا: أن الدول الكبرى ما زالت قادرة على ضبط مسارات الدول الطرفية عبر أدوات جاهزة ومجربة. ما جرى كشف أن السيطرة لم تعد مطلقة، وأن الطاعة لم تعد مضمونة، وأن الدولة القومية – مهما كانت متناقضة أو مأزومة داخليًا – ما زالت قادرة على الإفلات من القالب حين تشعر أن وجودها مهدد.
تركيا بعد الانقلاب لم تصبح أكثر عدلًا، لكنها أصبحت أكثر وعيًا بقسوة العالم. لم تتحول إلى نموذج يُحتذى، لكنها تحولت إلى سابقة يصعب تجاهلها. سابقة تقول إن الخروج من الوصاية ممكن، لكنه لا يأتي بلا ثمن، ولا يمنح براءة أخلاقية، بل يضع الدولة أمام اختبار دائم بين حماية القرار وتفكك الداخل.
المفارقة أن أخطر ما في فشل الانقلاب لم يكن ما فعله أردوغان، ولا ما خسره خصومه، بل ما فهمته بقية الدول بصمت. فهمت أن النظام الدولي لم يعد حارسًا للاستقرار، بل موزّعًا للأزمات، وأن من لا يحمي نفسه يُعاد تشكيله من الخارج. ومن هنا تبدأ العدوى الحقيقية: ليس عدوى الانقلابات، بل عدوى الشك في النظام الذي كان يفترض أنه يمنعها.
لهذا، فإن السؤال الذي يتركه الانقلاب التركي مفتوحًا لا يتعلق بتركيا وحدها، بل بالعالم بأسره:
كم دولة أخرى ستصل إلى اللحظة ذاتها، لحظة تدرك فيها أن البقاء داخل النظام أخطر من محاولة الخروج عليه؟
وعندها، هل سيكون العالم قادرًا على احتواء هذه التحولات… أم أن ما فشل في إسطنبول كان مجرد بروفة لانهيارات أوسع لم تبدأ بعد؟