الإعلام: لماذا يهتم بالأحداث… ويتجاهل التحولات؟

* ليس مجرد مقال ضمن سلسلة التضليل الإعلامي، بل مفتاح قراءة لكل محتوى المدونة.

يبدو العالم، عند متابعته عبر الإعلام، كأنه سلسلة لا تنتهي من الوقائع العاجلة: انقلاب هنا، حرب هناك، أزمة اقتصادية، قمة دولية، ثم حدث آخر يزيح ما قبله. غير أن المفارقة الصادمة هي أن هذا التراكم الهائل من “المعرفة” لا ينتج فهمًا، ولا يقود إلى وعي أعمق بطبيعة ما يجري. السبب ليس في نقص المعلومات، بل في طبيعة ما يُقدَّم لنا بوصفه معرفة. فالإعلام لا ينشغل بالتحولات التي تُنتج الأحداث، بل بالأحداث ذاتها، لأنها الأسهل في الاستهلاك، والأكثر أمانًا على النظام الذي يديرها.

أولًا: الحدث كمنتج… والتحول كخطر

الحدث مادة إعلامية مثالية:

  • يمكن عزله زمنيًا،
  • اختزاله في صورة أو عنوان،
  • وتدويره ضمن دورة أخبار قصيرة.

أما التحول، فهو عكس ذلك تمامًا:

  • ممتد زمنيًا،
  • معقّد سببيًا،
  • ويحتاج إلى ربط الماضي بالحاضر والمستقبل.

الإعلام، بوصفه صناعة لا معرفة، يختار ما يمكن تسويقه بسرعة، لا ما يحتاج إلى تفكير بطيء. التحولات لا تُباع، لأنها لا تُشاهَد، بل تُستنتَج. والاستنتاج فعل عقلي خطر، لأنه يقود إلى مساءلة البُنى لا متابعة أعراضها.

ثانيًا: الإعلام كأداة إدارة لا كأداة تفسير

في بنيته العميقة، لا يعمل الإعلام الحديث بوصفه جهاز تفسير للعالم، بل بوصفه جهاز إدارة للانتباه.
هو يقرر:

  • متى تنظر،
  • إلى ماذا تنظر،
  • ومتى تنتقل إلى غيره.

بهذا المعنى، الإعلام لا يكذب دائمًا، لكنه ينتقي ما يمنع تشكّل الصورة الكاملة. التركيز على الحدث يمنح الجمهور شعورًا زائفًا بالمتابعة والمشاركة، بينما يُحرمه من فهم السياق الذي يجعل هذه الأحداث ممكنة ومتكررة.

ثالثًا: لماذا التحليل العميق غير مرغوب؟

التحليل الذي يتناول التحولات البنيوية:

  • يربط الاقتصاد بالسياسة،
  • القوة بالخطاب،
  • الإعلام بوظيفته الحقيقية.

وهذا النوع من الربط يقود حتمًا إلى سؤال مزعج:
من المستفيد من بقاء الأمور كما هي؟

الإعلام، في هذه اللحظة، لا يعود ناقلًا محايدًا، بل جزءًا من البنية التي يجري تحليلها. لذلك يتم استبعاده أو تشويهه أو وسمه بأنه “نظري”، “نخبوي”، أو “مؤامراتي”، وهي أوصاف وظيفتها الأساسية إسكات السؤال لا تفنيده.

رابعًا: الحدث يفرّغ الغضب… والتحول يعيد توجيهه

حين يُقدَّم الحدث مجردًا عن تحوله، يصبح وسيلة لتفريغ الشحنة العاطفية:

  • غضب،
  • تعاطف،
  • صدمة.

لكن هذا التفريغ لا يقود إلى تغيير، بل إلى إنهاك.
أما التحليل التحولي، فيفعل العكس:
يعيد توجيه الغضب من الأشخاص إلى البُنى، ومن اللحظة إلى المسار، ومن “من فعل؟” إلى “كيف ولماذا يتكرر؟”.

وهنا تكمن خطورته السياسية.

خامسًا: الجمهور ليس المشكلة… بل ما صُنِع له

يُحمَّل الجمهور غالبًا مسؤولية السطحية، وكأنها خيار فردي.
الحقيقة أن الجمهور جرى تدريبه تاريخيًا على:

  • السرعة بدل التأمل،
  • الرأي بدل الفهم،
  • الانحياز بدل التحليل.

الإعلام لا يقدّم ما “يريده” الجمهور، بل ما اعتاد أن يقدّمه له حتى صار يبدو طبيعيًا. وعندما يُقدَّم له تحليل تفكيكي جاد، يشعر بالارتباك، لا لأنه عاجز، بل لأنه خرج فجأة من نمط تلقٍّ مألوف.

سادسًا: التحولات تهدد السرديات الكبرى

كل نظام سياسي أو اقتصادي يعيش على سردية:

  • الاستقرار،
  • التقدم،
  • الشرعية،
  • الحتمية.

التحليل التحولي يكشف أن هذه السرديات ليست قوانين طبيعية، بل روايات مصلحية.
ولهذا فإن تجاهل التحولات ليس تقصيرًا مهنيًا، بل حماية واعية للسردية.

الإعلام هنا لا يدافع عن دولة بعينها، بل عن منطق عالمي:
منطق يقول إن ما يحدث استثناء، لا نتيجة.

سابعًا: حين يصبح الإعلام جزءًا من المشكلة

أخطر ما في تجاهل التحولات ليس تضليل الجمهور، بل تطبيع اللامعنى.
حين تتكرر الأحداث دون تفسير:

  • تصبح الحروب قدرًا،
  • الأزمات عادة،
  • والانقلابات مفاجآت متوقعة.

وهكذا يفقد الإنسان قدرته على الربط، فيتحول إلى متلقٍ مرهق، يعرف الكثير عن التفاصيل، ولا يعرف شيئًا عن الاتجاه العام.

ثامنًا: لماذا نكتب خارج الإعلام؟

الكتابة التحليلية التي تشتغل على التحولات ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية.
هي محاولة لاستعادة الزمن المسروق من الوعي، وربط النقاط التي فُصلت عمدًا.

  • الإعلام يشرح ما حدث،
  • والتحليل يكشف ما الذي يتغيّر تحت السطح.

وهذا الفرق هو ما يصنع الوعي… أو يمنعه.

خاتمة: الحدث يمر… والتحول يبقى

الأحداث ستستمر، والعناوين ستتبدل، والضجيج لن يتوقف.
لكن ما لا يُناقَش هو ما يصنع هذه السلسلة المتكررة من الوقائع، وما إذا كان العالم يتحرك نحو مزيد من السيطرة… أم نحو فوضى مُدارة بعناية.

التحليل التحولي لا يمنح إجابات مريحة، لكنه يمنح شيئًا أخطر:
القدرة على الرؤية خارج الإطار.
ولهذا بالضبط لا يحتفي به الإعلام، ولا يشجعه النظام، ولا يُقدَّم للجمهور إلا نادرًا.

لأن من يفهم التحول…
لا يعود يكتفي بمشاهدة الحدث.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.