تغيّر مسرح النزاع الجيوسياسي العالمي: إفريقيا من الهامش إلى المركز

لم تعد إفريقيا هامشًا للصراعات الدولية، ولا مجرد ساحة نفوذ ثانوية كما صُوّرت لعقود. ما يجري اليوم هو انتقال هادئ لكن عميق لمسرح النزاع الجيوسياسي العالمي نحو القارة الإفريقية، ليس بفعل قوة الدول الإفريقية ذاتها فقط، بل بسبب انسداد المسارات القديمة للصراع في أوروبا وآسيا، وحاجة القوى الكبرى إلى فضاءات أقل تكلفة وأكثر قابلية للإدارة.

أولًا: لماذا إفريقيا الآن؟

التحوّل نحو إفريقيا ليس صدفة، بل نتيجة تراكب عدة عوامل بنيوية:

1. إنهاك مسارح الصراع التقليدية

  • أوروبا الشرقية تحوّلت إلى ساحة استنزاف طويلة بلا حسم
  • الشرق الأوسط مشبع بالصراعات المزمنة
  • آسيا محكومة بتوازن ردع شديد الحساسية

إفريقيا، بالمقابل، تمثّل:

  • مساحة مفتوحة
  • كلفة تدخل أقل
  • هشاشة بنيوية موروثة
  • دولًا تبحث عن شركاء بدائل

ثانيًا: إفريقيا كمخزن استراتيجي عالمي

القارة الإفريقية ليست مهمة سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا-استراتيجيًا:

  • معادن نادرة (ليثيوم، كوبالت، منغنيز)
  • موارد طاقة تقليدية ومتجددة
  • مسارات بحرية حيوية (البحر الأحمر، خليج غينيا، المحيط الهندي)
  • عمق ديمغرافي مستقبلي

الصراع هنا ليس على “النفوذ” فقط، بل على ضمان المستقبل الصناعي والتكنولوجي للقوى الكبرى.

ثالثًا: تغيّر طبيعة التدخل… من الاحتلال إلى الإدارة

لم يعد التدخل في إفريقيا يأخذ شكل:

  • استعمار مباشر
  • أو قواعد ضخمة معلنة

بل انتقل إلى:

  • شركات أمنية خاصة
  • اتفاقيات تدريب
  • شراكات اقتصادية مشروطة
  • نفوذ سياسي عبر النخب المحلية

هذا التحوّل يجعل التدخل:

  • أقل كلفة
  • أقل إثارة للرأي العام
  • أكثر استدامة

وهو نموذج نموذجي لـ الفوضى المُدارة.

رابعًا: تعدد اللاعبين بدل الهيمنة الواحدة

في إفريقيا اليوم:

  • الغرب لم يعد اللاعب الوحيد
  • الصين ليست بديلًا بريئًا
  • روسيا ليست قوة عسكرية فقط
  • وتركيا، والهند، والخليج دخلوا على الخط

هذا التعدد لا يعني توازنًا، بل:

  • منافسة بلا قواعد واضحة
  • صفقات متقاطعة
  • تحالفات مرنة قصيرة الأمد

إفريقيا أصبحت مختبرًا لـ النظام العالمي المتعدد بلا مركز ثابت.

خامسًا: الانقلابات… عرض لا سبب

كثرة الانقلابات في غرب ووسط إفريقيا لا يمكن قراءتها كظاهرة محلية فقط.

هي نتيجة:

  • انهيار نموذج الدولة ما بعد الاستعمار
  • فشل التنمية المرتبطة بالغرب
  • صعود خطاب السيادة كبديل عن الشرعية

لكن الأهم:

هذه الانقلابات تُدار دوليًا أكثر مما تُرفض.

لأنها:

  • تُبقي الدول في حالة انتقال دائم
  • تمنع الاستقرار المؤسسي
  • وتُسهّل إعادة توزيع النفوذ

سادسًا: إفريقيا كساحة صراع غير مباشر

القوى الكبرى تتجنّب الصدام المباشر، لكنها:

  • تتواجه عبر وكلاء
  • تتصارع عبر الاقتصاد
  • تختبر أدواتها السياسية والإعلامية

إفريقيا هنا ليست هدفًا نهائيًا، بل وسيط صراع بين قوى أكبر.

سابعًا: الإعلام وإعادة إنتاج الصورة النمطية

الإعلام العالمي ما زال يقدّم إفريقيا بوصفها:

  • قارة أزمات
  • قارة فوضى
  • قارة تحتاج وصاية

هذا الخطاب يخدم:

  • تبرير التدخل
  • إخفاء الأسباب البنيوية
  • فصل الصراع العالمي عن نتائجه الإفريقية

فما يُقدَّم كـ“أزمة إفريقية” هو في جوهره أزمة نظام عالمي يُعاد تشكيله فوق الجغرافيا الإفريقية.

ثامنًا: ما الذي تغيّر فعليًا؟

التحوّل الحقيقي ليس في عدد القواعد أو الاتفاقيات، بل في:

  • انتقال الصراع من الإيديولوجيا إلى الموارد
  • من السيطرة المباشرة إلى النفوذ المرن
  • من الحسم إلى الإبقاء على التوتر

إفريقيا لم تعد ساحة صامتة، بل:

  • ورقة تفاوض
  • مساحة اختبار
  • ورافعة استراتيجية في ميزان القوى العالمي

تاسعًا: المخاطر على إفريقيا نفسها

أخطر ما في هذا التحوّل أن:

  • القارة قد تصبح عالقة في صراع لا يخصها
  • تُستنزف مواردها دون بناء حقيقي
  • يُعاد إنتاج التبعية بأدوات جديدة

من دون مشروع سيادي داخلي، ستبقى إفريقيا:

مسرحًا لا فاعلًا… ومكانًا لا قرارًا.

الخلاصة: إفريقيا في قلب التحوّل لا على هامشه

ما نشهده اليوم ليس “عودة الاهتمام بإفريقيا”، بل:

  • انتقال مركز الثقل الجيوسياسي إليها
  • لأن العالم القديم يتفكك
  • والعالم الجديد لم يولد بعد

وفي هذه المرحلة الانتقالية:

  • تُستخدم إفريقيا لإدارة الصراع العالمي
  • لا لحلّه
  • ولا لبناء نظام بديل عادل

السؤال لم يعد: لماذا تتصارع القوى في إفريقيا؟
بل: هل ستظل إفريقيا مسرحًا… أم ستفرض يومًا دور الفاعل؟

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.