ابتذال المعارضة المُدارة: حين تُهدي فنزويلا جلادها جائزة سلام

لم يكن إقدام أطراف من المعارضة الفنزويلية على إهداء دونالد ترامب جائزة نوبل للسلام حدثًا طريفًا أو زلّة بروتوكولية، بل لحظة سياسية كاشفة لانهيار المعنى ذاته للمعارضة. في هذا المشهد، لا تُكافأ سياسات السلام، بل تُكافأ القوة التي أحكمت الخناق على بلد بأكمله. هكذا يتحول الرمز إلى أداة، والجائزة إلى خطاب ولاء، والمعارضة إلى وسيط مصالح لا أكثر.

نوبل خارج معناها: من قيمة أخلاقية إلى أداة تبييض

لم تعد جائزة نوبل، في هذا السياق، مرجعًا أخلاقيًا أو معيارًا رمزيًا للسلام، بل غطاءً لغسل السياسات القسرية. ترامب، الذي مثّل ذروة سياسة «الضغط الأقصى» على فنزويلا، يُعاد تقديمه كرجل سلام لا لأنه صنع سلامًا، بل لأنه أحكم السيطرة. هنا تُفرَّغ الجائزة من مضمونها لتصبح أداة تبييض سياسي تُستخدم حين يفشل الفعل الواقعي ويعلو صوت الدعاية.

إن هذا الاستخدام الأداتي للرمز ليس بريئًا؛ فهو يطمس العلاقة السببية بين السياسات والنتائج، ويستبدلها بصورة إعلامية سريعة، تُخاطب الخارج لا الداخل، وتُراكم الشرعية حيث لا وجود لها.

من معارضة وطنية إلى معارضة وظيفية

المعارضة، في تعريفها التاريخي، تُنازع السلطة باسم المجتمع، وتستمد مشروعيتها من قدرتها على تمثيل مصالحه وتقديم بديل قابل للحياة. لكن ما نراه هنا هو انتقال صريح من «معارضة وطنية» إلى «معارضة وظيفية»؛ معارضة لا تعمل داخل المجال الاجتماعي، بل ضمن شبكة علاقات خارجية، حيث تُقاس قيمتها بمدى قابليتها للاستخدام.

حين تُهدي معارضة زعيمًا أجنبيًا معاديًا جائزة سلام، فهي تُقرّ—دون مواربة—بأن مركز ثقلها خارج البلاد. وهذا إقرار بإفلاس سيادي للخطاب، قبل أن يكون إفلاسًا سياسيًا.

لماذا الآن؟ سياق الفشل والاستعراض

لا يأتي هذا السلوك من فراغ. إنه ثمرة تراكم فشل داخلي: فشل في إسقاط النظام، وفشل في بناء قاعدة اجتماعية متماسكة، وفشل في صياغة برنامج اقتصادي–اجتماعي مقنع. ومع انسداد الأفق الداخلي، تلجأ المعارضة إلى الاستعراض الرمزي بوصفه بديلًا عن الفعل.

الصورة، العنوان، الجائزة—كلها أدوات لإعادة التموضع في رادار القوة الراعية. لكن هذه الأدوات لا تصنع سياسة، بل تُراكم تبعية. وهنا يتحول «الحدث» إلى رسالة ولاء، لا إلى موقف مبدئي.

إهانة الذاكرة الجماعية: حين يُكافأ الجلاد

الأخطر في هذا الابتذال أنه يُهين الذاكرة الجماعية للفنزويليين. فالعقوبات التي خنقت الاقتصاد، والتجويع الذي طال الفئات الأضعف، والتلاعب المستمر بالمسار السياسي—كلها تُمحى من السردية لصالح صورة «المنقذ». بهذا المعنى، لا تُعارض المعارضة النظام بقدر ما تُشارك في إعادة كتابة المعاناة على مقاس الخارج.

إنها لحظة يتحول فيها الخصم السياسي إلى شريك سردي في الجريمة، حيث تُستبدل المساءلة بالشكر، والحقوق بالجوائز.

المعارضة المُدارة: النموذج لا الحالة

ما جرى في فنزويلا ليس حالة شاذة، بل نموذج يتكرر عالميًا. «المعارضة المُدارة» هي تلك التي تُصاغ وظائفها وحدودها خارج المجال الوطني، وتُدار توقعاتها عبر التمويل، والاعتراف، والرموز. في هذا النموذج، تُكافأ الطاعة لا الكفاءة، وتُرفع الأصوات الأكثر قابلية للاستخدام، لا الأكثر تمثيلًا.

وهكذا تُختزل السياسة في علاقات عامة، ويُختزل الصراع في بيانات وتصريحات، بينما يبقى الواقع الاجتماعي بلا حلول.

الخلاصة: سقوط القناع واختبار المعنى

إهداء ترامب جائزة نوبل ليس تفصيلًا عابرًا، بل لحظة سقوط القناع. لحظة تقول فيها المعارضة: لسنا مشروع تغيير، بل ورقة تفاوض. هنا يبلغ الابتذال ذروته: حين تُفرَّغ السياسة من معناها، وتتحول المعارضة إلى مكتب علاقات عامة للقوة المهيمنة.

إن استعادة معنى المعارضة لا تبدأ من الرموز، بل من المجتمع؛ لا من الجوائز، بل من البرامج؛ ولا من الخارج، بل من الداخل. وما لم تُستعد هذه البوصلة، سيظل الابتذال هو اللغة السائدة، وستظل الجوائز تُمنح لمن يُتقن إدارة الألم لا إنهاءه.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.