حين تعلو الأصوات: السياسة كبديل عن العجز

في لحظات التحوّل الكبرى، لا يُقاس ميزان القوة بما يُقال، بل بما يُفعل. وحين يتقدّم الخطاب على الفعل، ويعلو الصوت بدل أن يتقدّم القرار، فذلك ليس استعراضًا للقوة بقدر ما هو محاولة لإدارتها عند حدودها القصوى. ما نشهده اليوم، من غزة إلى إيران، ليس تصعيدًا بقدر ما هو اعتراف غير معلن بتآكل القدرة على الحسم، وتحويل المشهد السياسي إلى صراع رمزي بين الضجيج والواقع.

من الفعل إلى الإعلان: انقلاب المنطق السياسي

في السياسة الإمبراطورية، الإعلان لا يسبق التنفيذ. القرارات الكبرى تُحضَّر بصمت، وتُنفَّذ بسرعة، ثم يُبنى خطابها لاحقًا. لكن حين يبدأ المشهد بإعلانات، فرق، لجان، وتسريبات “جدّية”، فذلك مؤشر على انتقال السياسة من منطق الفعل إلى منطق الإشارة.

إعلان فريق أمريكي لإدارة غزة، أو التلويح بحرب وشيكة على إيران، لا يعكس فائض قوة، بل محاولة فرض واقع ذهني حين تعذّر فرضه ميدانيًا. السياسة هنا لا تُنتج واقعًا، بل تحاول تعويض غيابه بالخطاب، في محاولة لتشكيل ما يُسمّى سقف سياسي يسبق التنفيذ ويستبق النتائج الواقعية.

سنتان من الحرب… بلا نتيجة سياسية

الحروب، في الحساب الاستراتيجي، ليست غاية بحد ذاتها، بل أداة لإعادة تشكيل الواقع السياسي. بعد قرابة عامين من الحرب في غزة:

  • لم يتشكّل نظام بديل يُدار

  • لم تُنتج نخب محلية جديدة

  • لم تنكسر الإرادة السياسية للمجتمع

  • ولم تُفرض معادلة “ما بعد المقاومة”

هذا الفشل لا يُعلن رسميًا، بل يُغطّى بالضجيج الإعلامي والسياسي. وهنا يصبح الحديث عن “اليوم التالي” محاولة متأخرة لإيجاد نتيجة سياسية لم تُنتجها الحرب، وهو ما يبرز الفارق بين الصوت والفعل في إدارة الصراعات.

غزة: من قضية تحرر إلى ملف إدارة

الإشكال الجوهري في الإعلانات الأمريكية ليس في تفاصيلها، بل في الإطار الفكري والسياسي الذي تفرضه. غزة تُقدَّم لا كقضية شعب تحت احتلال، بل كفراغ إداري يحتاج إلى من يملؤه. هذا التحوّل في اللغة ليس بريئًا؛ إنه محاولة لإعادة تعريف الصراع وتحويله من معركة سياسية ذات سيادة، إلى مسألة إدارة تقنية: أمن، إعادة إعمار، وضبط المجتمع.

لكن التاريخ السياسي يقول شيئًا آخر:
كل إدارة بلا شرعية، وكل حكم بلا قبول شعبي، يتحوّل إلى عبء أمني دائم. ما لم يُكسر سياسيًا لا يُدار إداريًا، وهذا ما لم يتحقق في غزة، مهما حاولت التصريحات الرسمية أو الفرق المعلنة.

إيران والتهديد الذي لم يُنفّذ

ما حدث مؤخرًا مع إيران يعيد إنتاج نفس النمط:

  • تهديدات عالية النبرة

  • إشارات “جدّية”

  • تعبئة إعلامية واسعة

ثم يحدث التراجع المحسوب. السبب ليس قوة إيران المطلقة، بل إدراك واشنطن أن أي حرب جديدة:

  • ستفتح مسار استنزاف طويل وغير محسوب

  • ستُخرج الصراع عن السيطرة

  • وستمنح الصين وروسيا فرصة نادرة للمراقبة دون تكلفة

حين يصبح الخصم الأكبر مجرد متفرج، تعرف الإمبراطورية أن أي مغامرة جانبية قد تتحوّل إلى مأزق استراتيجي.

الإعلام: اصطفاف بدل تحليل

الإعلام، بطبيعته، لا يعيش في المناطق الرمادية. لذا سيحوّل كل هذا إلى:

  • فريق مؤيد

  • فريق منتقد

لكن كلا الفريقين يعملان داخل الإطار نفسه: افتراض القدرة الأمريكية، والاختلاف فقط حول مشروعية استخدامها. أما السؤال الحقيقي — هل تستطيع أصلًا؟ — فيبقى خارج النقاش، لأنه يهزّ السردية الأساسية للهيمنة.

الاستقطاب الإعلامي هنا ليس نقاشًا، بل أداة ضبط وعي: الجمهور يُشتت بين مؤيد ومعارض، بينما يبقى الواقع السياسي والميداني بعيدًا عن الضوء، غير محلّل إلا بتفكيك دقيق كما نفعل هنا.

حين يصبح الصوت مؤشر ضعف

في ذروة القوة، لا حاجة للصراخ. الصوت يرتفع فقط حين:

  • تتعقّد الحسابات

  • تتضارب المصالح

  • يصبح القرار مكلفًا أكثر من التراجع

وهذا ما نراه اليوم: إدارة مأزق، لا صناعة نصر. ملء الفراغ السياسي بالكلام، ريثما تُعاد صياغة توازنات أوسع، هو السمة الغالبة لكل المشهد السياسي الدولي المعاصر.

الخلاصة: السياسة في مرحلة إدارة الانحدار

ما يجري ليس انهيارًا مفاجئًا للنفوذ الأمريكي، ولا زوالًا للقوة الإمبراطورية، بل انتقالًا من مرحلة فرض النتائج إلى مرحلة إدارة الحدود.

الإعلانات، التهديدات، والضجيج الإعلامي ليسوا أدوات حسم، بل أدوات اختبار الحدود. من يفهم هذا، لا ينخدع بالضجيج، ولا ينتظر ما قيل إنه “قادم حتمًا”، لأنه يدرك أن ما لم يُفرض بالقوة، لن يُفرض بالكلام.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.