
لم يعد الحديث عن “تراجع الديمقراطية” توصيفًا صادرًا عن خصوم الغرب، بل تشخيصًا تعترف به مؤسساته البحثية نفسها. غير أن المفارقة لا تكمن في التراجع بحد ذاته، بل في إصرار الخطاب الغربي على التفاخر بنموذجٍ لم يعد قادرًا على إقناع الخارج… ولا الداخل. ما نشهده اليوم ليس أزمة نظم، بل انهيار سردية طالما قُدّمت بوصفها نهاية التاريخ.
الديمقراطية كآلية… لا كقيمة
على مدى العقود الماضية، جرى اختزال الديمقراطية في إجراءات:
انتخابات دورية، تداول شكلي للسلطة، وصحافة “حرّة” تعمل ضمن هوامش مرسومة. لكن مع الوقت، انفصلت هذه الآليات عن جوهرها: التمثيل الحقيقي، والمساءلة، والعدالة الاجتماعية.
ما تكشفه التقارير الحديثة ليس غياب الديمقراطية، بل تحولها إلى واجهة إدارية تُدار من خلفها المصالح الاقتصادية، ولوبيات الضغط، والمؤسسات العميقة التي لا تخضع للاقتراع ولا للمحاسبة.
أمريكا: لحظة الانكشاف لا لحظة السقوط
الولايات المتحدة تمثل الحالة الأوضح لهذا التناقض.
لم تنهَر مؤسساتها، لكنها انكشفت حدودها:
- قضاء يُستدعى في الصراع السياسي
- إعلام منقسم يعمل كأداة تعبئة
- انتخابات تُدار بمنطق “منع الخصم” لا تمثيل الناخب
- نظام عاجز عن إنتاج توافق داخلي في القضايا المصيرية
الأهم من ذلك: لم تعد أمريكا قادرة على ادّعاء الحياد المؤسسي. وهذا وحده كافٍ لإسقاط صفتها كنموذج عالمي.
من خطاب التفوق إلى خطاب التبرير
في السابق، كان الغرب يقول بثقة:
“نموذجنا هو الأفضل، والبقية عليهم اللحاق.”
اليوم، تغيّر الخطاب:
“نموذجنا معيب… لكنه أقل سوءًا من غيره.”
هذا التحول ليس تواضعًا فكريًا، بل انسحابًا اضطراريًا من موقع التفوق الأخلاقي. لم يعد الدفاع عن الديمقراطية يتم عبر إبراز نجاحها، بل عبر تخويف الناس من البدائل.
وهذا اعتراف ضمني بأن النموذج لم يعد مُقنعًا بذاته.
لماذا لا يستطيع الغرب التخلي عن هذا الخطاب؟
لأن الديمقراطية، في الممارسة الغربية المعاصرة، لم تعد قيمة داخلية فقط، بل:
- أداة لتبرير العقوبات
- غطاء للتدخلات الخارجية
- معيارًا لفرز الحلفاء والخصوم
التخلي عن الخطاب يعني سقوط:
- شرعية “تصدير القيم”
- الأساس الأخلاقي للهيمنة
- الادعاء بأن الصراع عالميًا هو صراع “قيم” لا مصالح
لذلك يستمر الخطاب، حتى وإن تناقض مع الواقع.
الرأي العام الغربي… الشك من الداخل
التحول الأخطر لا يحدث في تقارير المنظمات، بل في وعي المواطن الغربي نفسه:
- تراجع الثقة في الانتخابات
- إحساس واسع بانعدام التأثير السياسي
- إدراك أن القرارات الكبرى تُتخذ خارج صندوق الاقتراع
لم يعد السؤال:
“هل نظامنا ديمقراطي؟”
بل:
“هل صوتي يُغيّر شيئًا فعليًا؟”
وهذا السؤال، حين يُطرح داخليًا، يكون أخطر من أي نقد خارجي.
العالم خارج الغرب: نهاية الانبهار
في العالم غير الغربي، لم تعد الديمقراطية الغربية مرجعًا أخلاقيًا.
لا بسبب رفض الحرية، بل بسبب ازدواجية المعايير:
- دعم أنظمة غير ديمقراطية طالما كانت حليفة
- تجاهل انتهاكات صارخة حين تخدم المصالح
- توظيف حقوق الإنسان كسلاح سياسي انتقائي
هكذا تحوّل الخطاب الديمقراطي من وعد بالتحرر إلى أداة ضغط، ومن قيمة إنسانية إلى لغة نفوذ.
ما الذي يسقط فعليًا؟
الأنظمة لم تسقط بعد.
الانتخابات مستمرة.
المؤسسات قائمة.
لكن الذي سقط هو:
- احتكار تعريف الديمقراطية
- الادعاء بالقداسة الأخلاقية
- وهم “النموذج الكوني”
نحن أمام عالم لم يعد يبحث عن بديل جاهز، بل يرفض الوصاية الفكرية.
خلاصة: نهاية السردية لا نهاية التاريخ
الديمقراطية الغربية لم تنهَر كنظام، لكنها انهارت كـ خطاب أخلاقي شامل.
وما نعيشه اليوم ليس صعود نماذج أخرى بقدر ما هو تفكك مركزية النموذج الواحد.
الغرب لا يزال يتحدث باسم الديمقراطية،
لكن العالم لم يعد يسمعها بالطريقة ذاتها.
وهنا، بالضبط، تبدأ مرحلة ما بعد الوهم.