أسطورة التعافي الاقتصادي: أرقام تنمو ومجتمعات تتآكل

في كل مرة تُعلن فيها الحكومات والمؤسسات المالية عن “تعافٍ اقتصادي”، تُرفق الخبر بسلسلة من الأرقام الصاعدة والمؤشرات المطمئنة.
لكن خارج الجداول البيانية، تتراجع القدرة الشرائية، وتزداد هشاشة العمل، وتتآكل الطبقة الوسطى بصمت.
المفارقة ليست في وجود أرقام إيجابية، بل في تحويلها إلى دليل قاطع على صحة واقعٍ يزداد اختناقًا.
هذا المقال لا يناقش صدق الأرقام بقدر ما يفكك وظيفتها السياسية والإعلامية.
فالسؤال الحقيقي ليس: هل تعافى الاقتصاد؟ بل: من تعافى؟ وعلى حساب من؟

أولًا: وهم المؤشرات… حين تنفصل الأرقام عن الحياة

الناتج المحلي الإجمالي، معدلات النمو، نسب البطالة، مؤشرات الأسهم؛ كلها أدوات قياس تقنية.
المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الأدوات إلى مرآة وحيدة للحقيقة.

يمكن للاقتصاد أن “ينمو” بينما:

  • ترتفع الأسعار أسرع من الأجور
  • يتحول العمل الدائم إلى عقود هشة
  • تتقلص الخدمات العامة
  • تتراكم الديون على الأفراد

الأرقام لا تكذب، لكنها لا تقول كل شيء. هي تقيس الحركة، لا الاتجاه الاجتماعي، وتقيس الحجم، لا العدالة. وهنا تُولد الأسطورة: اقتصاد “صحيح” حسابيًا، لكنه مريض اجتماعيًا.

ثانيًا: التعافي كخطاب سياسي لا كحقيقة اقتصادية

التعافي ليس فقط حالة اقتصادية، بل خطاب سياسي ضروري للسلطة.
الدولة بحاجة دائمة إلى إعلان النجاح، حتى لو كان جزئيًا أو مؤقتًا، لأن الاعتراف بالأزمة البنيوية يفتح باب المساءلة.

إعلان “التعافي” يؤدي وظائف محددة:

  • تهدئة الأسواق
  • ضبط المزاج العام
  • تبرير السياسات التقشفية
  • إغلاق النقاش حول البدائل

بهذا المعنى، التعافي ليس نهاية الأزمة، بل إعادة تسويقها بلغة مطمئنة.

ثالثًا: من تعافى فعلًا؟ إعادة توزيع الخسائر لا معالجتها

حين ننظر بعمق، نكتشف أن “التعافي” غالبًا لا يعني اختفاء الخسائر، بل إعادة توزيعها.

ما الذي يحدث عمليًا؟

  • تُنقذ البنوك الكبرى
  • تُحمى الشركات العملاقة
  • تُضخ السيولة في الأسواق المالية
  • بينما يُطلب من الأفراد “الصبر” و”التكيف”

الخسارة لا تُلغى، بل تُنقل من الأعلى إلى الأسفل.
وهكذا، يصبح التعافي تعافيًا للنظام، لا للناس.

رابعًا: الطبقة الوسطى… الضحية التي لا تُرى في الإحصاءات

الطبقة الوسطى لا تسقط فجأة، بل تتآكل تدريجيًا.
وهذا ما يجعلها غير مرئية إحصائيًا وغير صالحة للعناوين.

هي لا تدخل خانة الفقر، لكنها:

  • تفقد الأمان الوظيفي
  • تستنزف مدخراتها
  • تعجز عن التخطيط طويل الأمد
  • تعيش على هامش الخوف الدائم من السقوط

هذه التآكلات لا تظهر في تقارير “النمو”، لكنها تُغيّر البنية الاجتماعية بالكامل.

خامسًا: التضخم الصامت… الضريبة التي لا تُسمّى

التضخم هو الأداة الأكثر فاعلية لإخفاء نقل العبء.
فبدل رفع الضرائب بشكل مباشر، يُترك المال ليفقد قيمته ببطء.

النتيجة:

  • الرواتب ثابتة
  • الأسعار ترتفع
  • القوة الشرائية تنخفض
  • دون قرار سياسي معلن

وهكذا، يدفع المجتمع كلفة السياسات النقدية دون أن يرى الفاتورة.

سادسًا: الإعلام الاقتصادي… ترويض الوعي لا شرح الواقع

الإعلام الاقتصادي السائد لا يكذب غالبًا، لكنه ينتقي زاوية الرؤية.

يُبرز:

  • تحسن المؤشرات
  • صعود الأسواق
  • تفاؤل المستثمرين

ويُهمِل:

  • معيشة الناس
  • هشاشة العمل
  • التفاوت المتزايد

النتيجة وعي مشوش:
الناس تشعر بالأزمة، لكن يُقال لها إن الأرقام “تؤكد العكس”، فينشأ شرخ بين التجربة واللغة.

سابعًا: إدارة الانحدار بدل بناء التعافي

في كثير من الدول، لم يعد الهدف هو التعافي الحقيقي، بل إدارة الانحدار بأقل تكلفة سياسية.

لا حل جذري:

  • لا إعادة توزيع عادلة
  • لا إصلاح بنيوي
  • لا مراجعة للنموذج الاقتصادي

بل فقط تأجيل الانفجار، وتدوير الأزمة، وإعادة تسميتها كل مرة باسم جديد.

خاتمة: حين تصبح الأسطورة سياسة

أسطورة التعافي ليست كذبة بسيطة، بل منظومة متكاملة:
أرقام، خطاب، إعلام، وصمت اجتماعي.

المشكلة ليست في غياب النمو، بل في تحويله إلى غاية مستقلة عن الإنسان.
اقتصاد ينمو بينما المجتمع يتآكل ليس نجاحًا مؤجلًا، بل فشلًا مُدارًا بذكاء.

والسؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا:
أي تعافٍ هذا الذي لا يشعر به الناس إلا كعبء جديد؟

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.