
أولًا: البُعد النفسي – الهروب المؤقت من الواقع
الوجود في ملجأ يعني اعترافًا ضمنيًا بأنك لست آمنًا فوق الأرض. هذا بحد ذاته يولّد حالة مستمرة من القلق الجماعي، تتجاوز اللحظة الراهنة إلى مستقبل الدولة نفسها. ففي كل مرة ينزل فيها الإسرائيليون إلى الملاجئ، يُستعاد السؤال القديم:
هل يمكن حقًا بناء دولة دائمة فوق أرض متنازع عليها؟
كما يعاني كثير من السكان، خصوصًا الأطفال، من اضطرابات نفسية نتيجة التكرار المزمن للتهديدات، وتحوّل "الصفارات" إلى جزء من الذاكرة الجماعية.
ثانيًا: التنظيم الداخلي – "نظام طوارئ دائم"
رغم أن إسرائيل تروّج لتفوّقها في "إدارة الأزمات"، إلا أن الواقع يُظهر أنها تعيش في حالة تأهب دائم، وكأن المجتمع بأكمله يتحرك داخل "غرفة عمليات كبيرة".
الملاجئ مزودة بأساسيات الحياة فقط: ماء، هواء مفلتر، كهرباء، إنترنت ضعيف أحيانًا، لكن بلا أدنى مقومات الراحة أو الحياة الطويلة.
- بعض الأحياء تمتلك ملاجئ خاصة تحت المباني، بينما في بلدات الجنوب (مثل سديروت) يُخصَّص لكل حي ملجأ صغير متنقل.
- في تل أبيب أو المدن المركزية، قد تكون الملاجئ أكثر حداثة، لكنها لا تُغيّر من طبيعتها المؤقتة والطارئة.
ثالثًا: الطابع الطبقي – ليست كل الملاجئ سواء
التمييز الطبقي يظهر حتى داخل "الهلع الجماعي":
- الإسرائيليون في البلدات الفقيرة، خاصة قرب غزة، يعيشون في ملاجئ ضيقة، أو أحيانًا لا تصلهم صافرات الإنذار قبل السقوط.
- أما الأثرياء في المدن المركزية، فيملكون منازل مجهزة بغرف آمنة (ما يسمى "مَماد" – מרחב מוגן דירתי).
هذا يعني أن “الخطر” لا يُوزَّع بالتساوي، بل تحكمه خريطة جغرافية وطبقية.
رابعًا: الوعي الجماعي – خوف مستدام من الداخل والخارج
الحياة في الملاجئ تُعيد صياغة وعي الإسرائيلي بالوجود:
- الصراع لم يعد "في الخارج"، بل أصبح يسكن الداخل: الصواريخ تسقط، الهجرة تتزايد، الجنود يُقتلون، والانقسام السياسي يتعمّق.
- حالة الانكفاء إلى الداخل تتكرّس: الفرد لا يثق لا بالعرب، ولا أحيانًا بالدولة نفسها.
والسؤال الأكبر يلوح من تحت الأرض:
هل تستطيع إسرائيل أن تظلّ فوق الأرض، إن كانت تقضي معظم وقتها تحتها؟
خامسًا: التأثير على الخطاب الإعلامي والسياسي
تُستخدم مشاهد الملاجئ إعلاميًا لتعزيز صورة "الضحية الدائمة"، رغم كون إسرائيل قوة نووية مدعومة من الغرب.
- يُستثمر الخوف في إنتاج خطاب تعبوي: "انظروا كيف نُهاجَم ونحن فقط نريد السلام".
- ويُوظف سياسيًا لتبرير المزيد من القصف، وتجريم أي مقاومة، وتوسيع الاستيطان باسم "الأمن".
خاتمة
الحياة في الملاجئ ليست مجرد تجربة أمنية؛ بل مرآة تعكس طبيعة المجتمع الإسرائيلي: هش، منقسم، يعيش على حافة الهاوية، ويُخفي رعبه تحت طبقات من التكنولوجيا والدعاية.
ومع كل صافرة إنذار، يُفتح الباب مجددًا على سؤال وجودي يلاحق الكيان منذ نشأته:
هل يمكن لدولة أن تعيش إلى الأبد وهي تختبئ تحت الأرض؟