
التحول من الإعلام الخطي إلى المشهد متعدد الاتجاهات
في السابق، كان الإعلام الرسمي يحتكر قنوات البث، وكانت الحقائق تُروّج عبر خطوط سردية موحدة. أما اليوم، فقد فُتح المجال أمام مئات المنصات الرقمية التي تسمح لأي فرد أو جهة بنشر محتوى، مما أدى إلى تعددية مفرطة في مصادر الأخبار والمعلومات. لكن هذه التعددية لم تعني بالضرورة زيادة الشفافية، بل أسهمت في تشتت الانتباه وتضارب الروايات. ففي ظل غياب آليات رقابية صارمة، أصبح المشهد الإعلامي عبارة عن فضاء مفتوح يمكن فيه لأي سردية، حتى الكاذبة، أن تجد جمهورها وتُكرر نفسها إلى حد التلقين الجماهيري.
خوارزميات التصفية وخلق فقاعات معلوماتية
لا يمكن فهم التضليل في الإعلام الحديث دون التوقف عند دور الخوارزميات الرقمية التي تحكم شبكات التواصل الاجتماعي. هذه الخوارزميات مصممة لتلبية رغبات المستخدمين عبر تقديم المحتوى الذي يتوافق مع ميولهم واهتماماتهم، مما يؤدي إلى "فقاعات معلوماتية" مغلقة تعزز وجهات نظر معينة وتمنع التفاعل مع آراء مضادة. بهذه الطريقة، لا يُعرض المستخدم على الحقيقة كاملة بل على نسخة مشوّهة من الواقع، تغذيها خوارزميات الإعجاب والتفاعل، وبالتالي يزداد التحيز والتشدد في وجهات النظر.
صناعة الأخبار الكاذبة: بين التضخيم والتزييف العميق
التضليل لا يتوقف عند مجرد نقل معلومات خاطئة، بل وصل إلى مستويات متقدمة من التزييف، مثل "التزييف العميق" (Deepfake) الذي يستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتزوير الصور والفيديوهات بشكل مقنع. كما يلجأ بعض الفاعلين إلى التضخيم الانتقائي للأحداث، أو إخراج الحقائق من سياقها، لتشكيل روايات مغلقة تخدم أجندات محددة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية. هذه الأساليب الذكية تضع القارئ أمام وهم المعرفة، حيث يُعتقد أنه مطلع على الحقيقة، بينما هو محاصر في نسخ مزيفة منها.
دور المستخدم في نشر التضليل
لا يجب إغفال أن المستخدم العادي أصبح طرفًا فاعلًا في انتشار التضليل، أحيانًا بدون وعي. مشاركة المنشورات دون تحقق، الانجرار وراء العواطف، والاعتماد على الأخبار السريعة بدل التأمل والبحث، كلها عوامل تساعد في تضخيم دور الأخبار الزائفة. هذه الظاهرة تحولت إلى مشكلة اجتماعية وثقافية، تعكس هشاشة الوعي الجمعي في مواجهة تقنيات التضليل المتطورة.
كيف نكسر دائرة الوهم؟ استراتيجيات نقدية لتحرير الوعي
مواجهة هذا التضليل المتسارع تحتاج إلى استراتيجية نقدية متعددة المستويات، تبدأ بتطوير وعي شخصي يقظ تجاه مصادر المعلومات ومحتواها، مرورًا بتحليل السياقات التي تُطرح فيها الأخبار، واستخدام أدوات التحقق من الحقائق الرقمية، إلى جانب تشجيع ثقافة النقاش المفتوح والمتوازن بعيدًا عن الفقاعات المغلقة. كذلك، على المؤسسات الأكاديمية والثقافية دور محوري في تعزيز مهارات التفكير النقدي لدى الأفراد، ما يساعد على بناء حصانة ذهنية تقيهم من الوقوع في فخ التضليل.
إن فهم آليات التضليل في الإعلام الجديد ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة ملحّة تحكم مستقبل المجتمعات، وتحدد مدى قدرة الشعوب على التمييز بين الحقيقة والخيال في عالم يختلط فيه الواقع بالزيف بسهولة غير مسبوقة.