الإعلام الغربي الجديد: هل انتقل من الكذب إلى التوحش؟

في زمنٍ لم يعد فيه الكذب الإعلامي كافيًا، برز نمط جديد من التغطية الغربية للحروب، يتجاوز التضليل نحو التوحش الخطابي الصريح. لم يعد الإعلام الغربي يتقن فقط تبرير الجريمة أو تزييف الوقائع، بل بات يُشارك في صناعة خطاب وحشي، يُشيطن الضحية، ويُجرّدها من إنسانيتها، ويُكرّس العنف كخيار مشروع، ما دام يصب في مصلحة "التحالف الأخلاقي".

من التعتيم إلى التبرير

تقليديًا، اعتمد الإعلام الغربي في تغطياته للحروب على ثلاث أدوات مركزية: التعتيم الانتقائي، تزييف اللغة، والتوازن الكاذب. لكن الحرب على غزة – بما تمثّله من مجازر موثقة ومتكررة – فضحت حدود هذه الأدوات، فانتقل الخطاب من الإنكار إلى التبرير، ثم إلى الاحتفال بالدم. أصبح بعض الصحفيين يبرّرون قصف المدارس والمستشفيات بزعم وجود "مقاتلين"، دون تقديم أي دليل، وكأن قتل المدنيين صار فرضًا وقائيًا لا يتطلب حتى الحرج.

نزع الإنسانية كخطة تحريرية

السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: لماذا يُكذب الإعلام الغربي؟ بل: لماذا يُسهم في شيطنة الإنسان الفلسطيني وكأن موته لا يستحق التعاطف؟
نزع الإنسانية (Dehumanization) لم يعد مجرد انزلاق لغوي، بل أصبح خيارًا تحريريًا مقصودًا، يمهد لتبرير كل جريمة. فعندما تُقدّم الشعوب كـ"دروع بشرية" أو "بيئة حاضنة للإرهاب"، فإن أي مجزرة تصبح - في الخطاب الإعلامي - ضرورية ومبرّرة.

الخبر كسلاح

لم يعد الإعلام يُبلّغ عن الحرب فقط، بل أصبح طرفًا مشاركًا فيها. الخبر في سياق الهيمنة لم يعد ناقلًا محايدًا للوقائع، بل أداة لإعادة تشكيل الرأي العام، وضبط الإحساس الجمعي بالعنف. فحين يُقتل طفل ويُذكر اسمه في أوكرانيا، لكنه يُختصر إلى "رقم" في غزة، فإننا لا نتحدث عن فروق تقنية بل عن سلطة تُعيد تعريف من يستحق الحياة.

تحوّل القيم إلى أدوات قتل

الإعلام الغربي يتبنى مفردات من قبيل "الديمقراطية"، "الحرية"، "حقوق الإنسان"، لكنه يُسخّرها لتبرير سحق من يُصنّف ضمن "الآخر الخطأ". ففي سياقات بعينها، تصبح القيم أدوات قتل، يُستخدم خطابها لتجميل الفظائع. وهكذا، ينقلب الإعلام من دور المراقب إلى دور الكاهن الذي يُقدّس الجريمة إن وافقت الهوى السياسي.

التوحش الناعم: كيف يُغلف الإعلام القسوة بلغة متحضرة؟

ما يميز هذا النمط الجديد من الإعلام هو أنه لا يبدو فاشيًا في ظاهره، بل متأنقًا، باردًا، يقتل بلغة تقريرية محايدة. هذا هو "التوحش الناعم": حين تُقدّم المجازر في قالب تحليلي موضوعي، بلا صراخ، ولا دماء، لكن بحرفية شديدة تساهم في تخدير الوعي العالمي.

ما بعد الحقيقة: عندما يُعاد تعريف الواقع

نحن نعيش عصر "ما بعد الحقيقة"، حيث لم يعد المطلوب إخفاء الحقيقة، بل إعادة تعريفها بالكامل. فالصور تُعرض، والمجازر تُوثّق، لكن الخطاب الإعلامي يظل قادرًا على خلق رواية بديلة. والغرب، عبر أذرعه الإعلامية الكبرى، يُمارس هذا التلاعب ببراعة؛ فيحوّل الجلاد إلى ضحية، والمجزرة إلى رد مشروع.

في الختام: من الكذب إلى التوحش.. ثم إلى ماذا؟

إذا كان الإعلام الغربي قد انتقل من التزييف إلى التوحش، فإن الخطر القادم هو التطبيع مع الوحشية. حين لا يثير قتل ألف طفل أي انزعاج في نشرات الأخبار، فهذا يعني أن الذاكرة الجماعية يُعاد تشكيلها لتتقبّل الجريمة كحدث طبيعي. وهنا، تصبح معركة الخطاب أهم من معركة الرصاص؛ لأنها تحدد من سيُعتبر إنسانًا، ومن سيُمحى من الشاشة... ومن الوجود.

+
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.