من احتفالات الشرعية الإمبراطورية إلى عواصم الدولة الحديثة: كيف تُستخدم المشاريع الكبرى لإعادة تشكيل السلطة وصورتها
ليست المشاريع الضخمة في التاريخ السياسي مجرد أعمال هندسية، بل هي أدوات لإعادة تشكيل معنى الدولة نفسها.
من الاحتفالات الإمبراطورية في إيران الشاهنشاهية إلى المدن الحديثة في مصر المعاصرة، يتكرر سؤال واحد: من يخاطب هذا البناء؟
هل هو المجتمع الذي يعيش الأزمة، أم صورة الدولة التي تريد أن تُقدَّم للعالم؟
هنا تتجاوز الخرسانة وظيفتها العمرانية لتصبح خطابًا سياسيًا مكثفًا.
المسألة ليست في الحجم، بل في المعنى الذي يُحمَّل للحجم.
أولًا: البناء كبديل عن السياسة لا كامتداد لها
في حالة محمد رضا بهلوي، لم يكن مشروعه الأبرز في الذاكرة السياسية هو البناء فقط، بل محاولة إعادة صياغة الشرعية عبر التاريخ.
احتفال “2500 سنة” الذي أقيم قرب برسبوليس لم يكن حدثًا احتفاليًا بريئًا، بل محاولة لربط الدولة الحديثة بسردية إمبراطورية قديمة، عبر استدعاء رمزية كورش الكبير.
هنا يتحول التاريخ إلى أداة سياسية:
بدل أن تُبنى الشرعية من المجتمع، تُستعار من الماضي البعيد.
ثانيًا: من الإمبراطورية إلى “الدولة الحديثة”
في المقابل، يظهر نموذج مختلف في حالة عبد الفتاح السيسي، من خلال مشروع العاصمة الإدارية الجديدة.
الخطاب هنا لا يستدعي إمبراطورية قديمة، بل يقدم نفسه باعتباره “قفزة نحو المستقبل”:
- تحديث إداري
- تخفيف الضغط عن القاهرة
- بناء مركز حكم حديث
لكن في العمق، الوظيفة السياسية تتقاطع مع النموذج الإيراني من زاوية أخرى:
إعادة إنتاج صورة الدولة عبر مشروع ضخم منفصل عن الواقع اليومي للمدينة القديمة.
ثالثًا: المسافة بين المركز والمجتمع
في النموذجين، هناك عنصر مشترك غالبًا ما يتم تجاهله:
خلق مسافة رمزية ومادية بين السلطة والمجتمع.
في حالة الشاه، كانت المسافة رمزية عبر استدعاء الماضي الإمبراطوري.
وفي الحالة المصرية، المسافة جغرافية عبر نقل مركز القرار إلى فضاء عمراني جديد.
هذه المسافة ليست تفصيلًا هندسيًا فقط، بل تعكس تصورًا لطبيعة الحكم:
هل السلطة جزء من النسيج اليومي، أم كيان منفصل يُدار من “خارج” المدينة التقليدية؟
رابعًا: الاقتصاد كخلفية صامتة للصورة الكبرى
لا يمكن فصل هذه المشاريع عن السياق الاقتصادي والاجتماعي.
في إيران الشاه، تزامن البذخ الرمزي مع فجوات اجتماعية متزايدة، ما جعل الحدث يبدو منفصلًا عن واقع الناس، وأسهم لاحقًا في تعميق الاحتقان الذي انتهى بـ الثورة الإيرانية.
في الحالة المصرية، النقاش يدور حول ضغط اقتصادي معقد، حيث تتقاطع مشاريع ضخمة مع تحديات معيشية يومية.
لكن الخطر التحليلي هنا ليس في وجود التنمية، بل في السؤال:
هل تُدار هذه المشاريع كأولوية تعكس احتياجات المجتمع، أم كإعادة صياغة لصورة الدولة أمام الداخل والخارج؟
خامسًا: الإعلام وسردية “البذخ”
الاختزال الإعلامي في الحالتين يميل إلى تبسيط الصورة:
- في إيران: “حفل ملكي باهظ”
- في مصر: “عاصمة جديدة مكلفة”
هذا الإطار السطحي يخفي طبقة أعمق من التحليل:
أن هذه ليست مجرد إنفاق أو بناء، بل محاولات لإعادة تعريف معنى الدولة نفسها.
التحويل إلى “بذخ” فقط يؤدي وظيفة سياسية غير مباشرة:
إخراج النقاش من مستوى البنية إلى مستوى الأخلاق الفردية.
سادسًا: التشابه لا يعني التطابق
رغم وجود نقاط تقاطع في منطق “المشروع الضخم”، هناك اختلاف جوهري:
- مشروع الشاه كان يقوم على استبدال الهوية التاريخية (من دولة حديثة إلى امتداد إمبراطوري)
- المشروع المصري يقوم على إعادة تنظيم الدولة الحديثة نفسها ضمن خطاب تنموي وإداري
لكن في الحالتين، يظهر سؤال مشترك:
هل يُستخدم البناء كحل لمشكلات الواقع، أم كبديل عن مواجهتها سياسيًا؟
سابعًا: حين تتحول الخرسانة إلى خطاب
المشكلة ليست في بناء المدن أو إقامة المشاريع، بل في اللحظة التي يصبح فيها البناء:
- وسيلة لإنتاج القبول السياسي
- أو أداة لإعادة تشكيل الوعي العام
- أو تعويضًا عن فجوات اجتماعية غير محلولة
عندها، يتحول المشروع من “تنمية” إلى “خطاب دولة”.
خلاصة تحليلية
المقارنة بين إيران الشاه ومصر المعاصرة لا ينبغي أن تُفهم كتشابه مباشر، بل كمرآة لفكرة أوسع:
الدول في لحظات التحول أو الضغط تميل إلى استخدام المشاريع الكبرى لإعادة صياغة صورتها.
لكن الفرق الحاسم ليس في حجم البناء، بل في:
مدى ارتباطه بالواقع الاجتماعي الذي يُفترض أنه يخدمه.
حين تنفصل الصورة عن الواقع، يصبح كل مشروع - حتى لو كان ناجحًا هندسيًا - جزءًا من أزمة المعنى لا حلًا لها.
