فروق: ملحدو العرب وملحدو الغرب: اختلاف السياقات وتشكل المواقف

Friday, May 9, 2025

ملحدو العرب وملحدو الغرب: اختلاف السياقات وتشكل المواقف

رغم تشابه المسمّى، إلا أن الإلحاد في السياق العربي يختلف جذريًا عن نظيره الغربي في دوافعه، ومظاهره، وتجلياته الثقافية. فالإلحاد ليس مجرد موقف معرفي يتعلق بالإيمان أو عدمه، بل هو نتاج سياقات تاريخية، وبُنى اجتماعية، وأزمات هوية قد تختلف من بيئة لأخرى. في هذا المقال، نحلل الفروق الجوهرية بين الملحدين في العالم العربي ونظرائهم في الغرب، من حيث الدوافع، والطرح، والعلاقة بالمجتمع والتراث، والمآلات الفكرية.

1. الإلحاد بين التحول المعرفي والانفصال الوجداني

في الغرب، يُنظر إلى الإلحاد غالبًا كخلاصة مسار فكري طويل، يقوم على مساءلة الأسس اللاهوتية، ومناقشة البرهان، والبحث في التاريخ الديني والمؤسساتي. أما في العالم العربي، فكثيرًا ما يتخذ الإلحاد طابعًا وجدانيًا أو انفعاليًا، ناتجًا عن صدمات اجتماعية أو سياسية أو دينية، دون المرور بالضرورة بتحول معرفي مؤسس.

2. من النقد العقلاني إلى السجال العدمي

يتميّز الطرح الإلحادي في الغرب بسياق فلسفي واضح، إذ يستند إلى أدوات التحليل الفلسفي والمنطق العلمي، ويُطرح ضمن منظومة فكرية تحترم التنوع والتعدد. أما في السياق العربي، فكثير من الطروحات الإلحادية تتسم بطابع سجالي، يُركّز على السخرية من الدين لا تفكيكه، ويستبدل العقل النقدي بالهجوم العاطفي، ما يفرغ الإلحاد من مضمونه التأملي.

3. الإرث الديني كمجال صدام لا تفكير

في المجتمعات الغربية، تراجع تأثير المؤسسات الدينية على الحياة العامة، مما أتاح للإلحاد أن يكون خيارًا شخصيًا أكثر منه إعلانًا ثقافيًا. أما في المجتمعات العربية، حيث الدين حاضر بقوة في الأسرة، والتعليم، والسياسة، يتحول الإلحاد إلى صدام شامل مع الموروث، لا مجرد موقف فكري، ما يجعل التوتر أكثر حدة، والرفض أكثر جذرية.

4. غياب المشروع البديل

يُطرح الإلحاد في الغرب غالبًا ضمن مشروع إنساني أو أخلاقي بديل، يستند إلى فلسفات علمانية، أو تصورات حداثية للعدالة والمعنى. في المقابل، يعجز كثير من الملحدين العرب عن تقديم تصور إيجابي متماسك، ويكتفون بموقع المعارضة، دون إيضاح ما الذي يدعون إليه في المقابل، مما يجعل من الإلحاد موقفًا سالبًا لا يحمل مشروعًا معرفيًا واضحًا.

5. أزمة الهوية والانتماء

لا يعاني الملحد الغربي عادة من أزمة في الانتماء أو الهوية، إذ تفصل الدولة والمجتمع بين المعتقد والحقوق المدنية. بينما يجد الملحد العربي نفسه في مواجهة مجتمع يرى الدين جزءًا من الهوية القومية أو الأسرية، فيعيش حالة من القطيعة، تتجاوز الدين لتطال الانتماء الثقافي نفسه، ما يضاعف من التوتر الداخلي والعزلة النفسية.

6. التوظيف الغربي للإلحاد العربي

يُلاحظ أن الملحد العربي يحظى أحيانًا بتضخيم إعلامي في الغرب، لا انطلاقًا من تبني مواقفه الفلسفية، بل لكونه يمثل نقيضًا للدين الإسلامي تحديدًا. فالغرب لا يحتفي عادة بإلحاد اليهود أو المسيحيين، لكنه يُظهر دعمًا مبالغًا لحالات "الخروج من الإسلام"، ويمنحها رمزية سياسية تتجاوز البعد المعرفي، مما يكشف عن ازدواجية معيارية وأغراض أيديولوجية.

7. بين التعبير الفردي والاحتجاج المجتمعي

الإلحاد في الغرب يُمارس غالبًا بوصفه خيارًا فرديًا لا يحتاج إلى تبرير أو صدام. أما في السياق العربي، فيتخذ طابعًا احتجاجيًا، يُراد له أن يُحدِث أثرًا جماعيًا، ما يجعله أحيانًا عرضة للتوظيف السياسي أو الرمزي، أكثر من كونه موقفًا وجوديًا خاصًا.

خاتمة
الفارق بين الإلحاد في الغرب والعالم العربي يتجاوز الاختلاف في المضمون، ليبلغ التباين في المنهج، والدوافع، والوظيفة. فالإلحاد الغربي غالبًا ما ينشأ عن بناء معرفي، ويتخذ شكلًا فلسفيًا أو وجوديًا. أما العربي، فكثيرًا ما يتشكل كردّ فعل مأزوم، ينطلق من الصدام لا من الفهم، ويعجز عن تقديم رؤية بديلة قابلة للحياة. إن التعامل مع هذه الفروقات بوعي نقدي، يفتح الباب لفهم أعمق لطبيعة التحولات الفكرية في العالم العربي، بدل اختزالها في ثنائيات الإيمان والكفر.


. . . في العمق يتجلى الفرق . . .