كيف تُصنع الرواية قبل أن تُصنع الحقيقة؟

تفكيك الخطاب الإعلامي في الحروب الحديثة

لم تعد الحروب الحديثة تُحسم في ساحات القتال وحدها، بل أصبحت تُخاض في فضاء آخر لا يقل أهمية، هو فضاء الإعلام والرواية. فالجيوش تتنافس على تحقيق المكاسب العسكرية، بينما تتنافس الحكومات ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية على كسب معركة تفسير الأحداث وصياغة الوعي العام. ولهذا لم يعد السؤال يقتصر على: ماذا حدث؟ بل أصبح: كيف رُوي الحدث؟ ومن الذي صاغ معناه؟

وفي كثير من النزاعات المعاصرة، ومنها التوترات المرتبطة بإيران، لا يكون الخلاف محصورًا في السيطرة على الأرض أو تنفيذ العمليات العسكرية، بل يمتد إلى الطريقة التي يُقدَّم بها الصراع للجمهور المحلي والدولي. فكل طرف يحاول بناء رواية تجعله يبدو في موقع الدفاع عن الشرعية أو الأمن أو العدالة، بينما يُقدَّم الطرف الآخر باعتباره مصدر التهديد.

وهكذا يتحول الإعلام إلى ساحة موازية للمعركة، تُستخدم فيها الكلمات والصور والعناوين والخرائط والمقاطع المصورة بوصفها أدوات للتأثير، تمامًا كما تُستخدم الأسلحة في الميدان.

وهم الحسم السريع

يميل الخطاب الإعلامي إلى تقديم الحروب بطريقة مبسطة يسهل على الجمهور متابعتها. ولذلك تكثر العناوين التي تتحدث عن "الضربة الحاسمة"، أو "الرد النهائي"، أو "الانتصار الكبير"، وكأن الصراع يسير نحو نهاية واضحة وقريبة.

لكن الواقع غالبًا أكثر تعقيدًا. فالحروب الحديثة نادرًا ما تنتهي بضربة واحدة أو معركة فاصلة، بل تمتد عبر مراحل طويلة تتغير فيها موازين القوى باستمرار. وقد يحقق أحد الأطراف مكسبًا عسكريًا في منطقة معينة، بينما يخسر سياسيًا أو اقتصاديًا في منطقة أخرى.

ولهذا فإن تصوير الحرب على أنها سلسلة من الانتصارات السريعة قد يمنح الجمهور انطباعًا مضللًا عن طبيعة الصراع، ويغفل حقيقة أن كثيرًا من النزاعات تنتهي بتسويات وتوازنات أكثر مما تنتهي بحسم كامل.

شخصنة الصراع

من أكثر الأساليب شيوعًا في التغطية الإعلامية تحويل الصراعات المعقدة إلى قصص تدور حول أشخاص. فتتركز التغطية على القادة، والتصريحات، والخطابات، واللقاءات، وردود الأفعال، حتى يبدو وكأن مستقبل الحرب يتوقف على قرار فرد أو تصريح مسؤول.

ورغم أهمية الشخصيات السياسية والعسكرية، فإن الاقتصار عليها يحجب العوامل البنيوية التي تشكل الصراع، مثل موازين القوى الإقليمية، والتحالفات الدولية، والمصالح الاقتصادية، والاعتبارات الجغرافية، والعقائد الأمنية للدول.

إن التركيز على الأشخاص يجعل الأحداث أكثر إثارة وأسهل في المتابعة، لكنه قد يدفع الجمهور إلى تجاهل البنية العميقة التي تفسر استمرار النزاع حتى مع تغير القادة.

إخفاء الاقتصاد خلف الدخان العسكري

غالبًا ما تستحوذ صور الصواريخ والطائرات والانفجارات على العناوين الرئيسية، بينما تتراجع القضايا الاقتصادية إلى الصفحات الداخلية أو تغيب تمامًا عن النقاش العام.

لكن كثيرًا من آثار الحروب لا تظهر في ساحات القتال فقط، بل في أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة العالمية، وأسعار التأمين والشحن، والممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز.

وقد يكون التأثير الاقتصادي للنزاع أكثر اتساعًا واستمرارًا من أثر العمليات العسكرية نفسها، لأنه يمتد إلى دول لا تشارك مباشرة في الحرب، عبر ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب الأسواق أو تغير مسارات التجارة.

ولذلك فإن فهم الحرب يتطلب النظر إلى الاقتصاد بوصفه جزءًا من المشهد، لا مجرد نتيجة لاحقة له.

الهدنة... نهاية أم إعادة تشكيل؟

عندما يُعلن عن وقف لإطلاق النار أو هدنة مؤقتة، تميل التغطية الإعلامية إلى استخدام عبارات مثل "انفراج"، أو "عودة الاستقرار"، أو "انتهاء الأزمة". وهذه الصياغات تمنح انطباعًا بأن الصراع قد وصل إلى نهايته.

غير أن التجارب التاريخية تشير إلى أن كثيرًا من الهدن لا تعني إنهاء النزاع، بل إعادة تنظيمه. فقد تستغل الأطراف الهدوء لإعادة التموضع، أو ترميم القدرات، أو استئناف المفاوضات، أو تغيير أساليب المواجهة من العسكرية إلى الاقتصادية أو السياسية أو الإعلامية.

ومن هنا فإن الهدنة قد تكون تحولًا في شكل الصراع أكثر من كونها نهاية له، وهو ما يجعل قراءة المرحلة التالية أكثر أهمية من الاكتفاء بالاحتفاء بتوقف القتال.

قوة الصورة في تشكيل الرواية

تلعب الصورة دورًا محوريًا في الخطاب الإعلامي المعاصر، لأنها تصل إلى الجمهور بسرعة وتترك أثرًا عاطفيًا كبيرًا. لكن الصورة، مثل النص، لا تكون محايدة دائمًا؛ فهي تعتمد على زاوية التصوير، وما يظهر داخل الإطار، وما يُستبعد منه، وطريقة عرضها وتوقيتها.

ولهذا يمكن للصورة الواحدة أن تُستخدم لبناء روايات مختلفة، تبعًا للسياق الذي توضع فيه. كما أن اختيار صور معينة دون غيرها يسهم في توجيه مشاعر الجمهور، سواء نحو التعاطف أو الغضب أو الخوف أو التأييد.

لذلك فإن القراءة النقدية للصور لا تقل أهمية عن القراءة النقدية للعناوين والتقارير.

خاتمة

الرواية الإعلامية ليست بالضرورة كذبًا صريحًا، لكنها تقوم دائمًا على الاختيار؛ اختيار ما يُعرض، وما يُؤجل، وما يُبرز، وما يُهمش. وهذا الاختيار هو الذي يصوغ الطريقة التي يفهم بها الجمهور الحروب والأزمات.

ومن هنا فإن الوعي الإعلامي لا يعني رفض كل ما يُنشر، ولا تصديق كل ما يُقال، بل يعني إدراك أن كل رواية تحمل زاوية نظر معينة، وأن الحقيقة الكاملة غالبًا ما تكون أوسع من أي رواية منفردة. فالحروب الحديثة لا تُدار بالقوة العسكرية وحدها، بل تُدار أيضًا بإدارة المعنى، ومن ينجح في التأثير على طريقة فهم الناس للأحداث يحقق جزءًا مهمًا من أهدافه، حتى قبل أن تُحسم المعركة على الأرض.


احصل على نسخة PDF


@@
أحدث أقدم

ويجيد بعد المقال


تنويه: مدونة فروق: هذا المقال (أو المحتوى) يقدم تحليلاً إعلامياً موضوعياً، ويخلو تماماً من أي تحريض أو دعوة للعنف، ويعكس رؤية نقدية متوازنة للأحداث، مع الالتزام التام بالأطر القانونية والمعايير المهنية.