من الفهم إلى الانفعال: هندسة الإدراك الجمعي
لم تعد الحروب الحديثة تُدار بالسلاح وحده، بل أصبحت تُدار أيضًا عبر صناعة الإدراك. فالجمهور لا يعيش الأحداث كما تقع على الأرض، وإنما كما تصله عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية والتقارير والتحليلات. وبين الحدث الحقيقي والصورة التي تصل إلى المتلقي، توجد عملية معقدة من الاختيار والترتيب والتفسير، وهي التي تشكل في النهاية فهم الناس لما يجري.
وفي الصراعات الإقليمية، ومنها التوترات المرتبطة بإيران، لا تتنافس الأطراف على تحقيق مكاسب عسكرية فقط، بل تتنافس أيضًا على فرض روايتها للأحداث. فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الطرف الأكثر شرعية أو الأكثر قوة أو الأكثر تعرضًا للتهديد، بينما يعيد ترتيب الوقائع بما يخدم أهدافه السياسية والإعلامية.
كيف يتشكل الإدراك؟
لا يعتمد تشكيل الإدراك على تقديم معلومات خاطئة بالضرورة، بل يعتمد في كثير من الأحيان على اختيار جزء من الحقيقة وإبرازه، مع تقليل أهمية أجزاء أخرى أو تجاهلها بالكامل. وبهذه الطريقة تتكون لدى الجمهور صورة تبدو متماسكة، لكنها قد تكون ناقصة أو غير متوازنة.
كما تلعب سرعة تدفق الأخبار دورًا مهمًا في هذه العملية، إذ ينتقل المتلقي من حدث إلى آخر قبل أن تتاح له فرصة فهم السياق الكامل. ومع كثرة العناوين العاجلة والصور المؤثرة، يصبح الانفعال أسرع من التفكير، ويتحول التفاعل الفوري إلى بديل عن التحليل الهادئ.
بين المعرفة والانفعال
تزداد خطورة هذه الظاهرة عندما يشعر المتابع بأنه يمتلك صورة كاملة عن الواقع، لمجرد أنه يقرأ الأخبار باستمرار أو يشاهد التحليلات اليومية. لكن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة عمق الفهم، لأن المعرفة الحقيقية تحتاج إلى ربط الأحداث بسياقاتها التاريخية والسياسية والاقتصادية، لا إلى متابعة الأخبار منفصلة عن بعضها.
ولهذا فإن الوعي النقدي يبدأ بطرح الأسئلة، والبحث عن أكثر من رواية، والنظر إلى ما غاب عن الخبر بقدر النظر إلى ما ظهر فيه. فالإدراك الواعي لا يتشكل من سرعة الاستجابة، بل من القدرة على التمييز بين الحدث وروايته، وبين الوقائع وطريقة تقديمها للجمهور.