
قوات حفظ السلام... من يحفظ السلام ولصالح من؟
تُقدَّم "قوات حفظ السلام" في الخطاب الدولي بوصفها أداة لحماية المدنيين، ومنع تجدد النزاعات، وتهيئة الظروف اللازمة للتسويات السياسية. وترتبط هذه القوات، التي تعمل بتفويض من الأمم المتحدة، بمهام مثل مراقبة وقف إطلاق النار، وحماية بعض المناطق المدنية، ودعم تنفيذ الاتفاقيات. إلا أن أداءها كان، في عدد من الحالات، محل نقاش وانتقاد واسع، سواء بسبب محدودية صلاحياتها أو بسبب عجزها عن منع أعمال العنف والانتهاكات في مناطق انتشارها.
بين التفويض والواقع
تعتمد قوات حفظ السلام على قرارات مجلس الأمن، كما ترتبط طبيعة مهامها بالتفويض الممنوح لها من الأمم المتحدة وموافقة الأطراف المعنية في كثير من الحالات. ولذلك لا تمتلك هذه القوات دائمًا صلاحية التدخل العسكري المباشر أو فرض حلول سياسية، وهو ما يجعل قدرتها على التأثير مرتبطة بالإطار القانوني والسياسي الذي تعمل داخله.
ويرى منتقدون أن هذا الإطار قد يؤدي أحيانًا إلى تجميد النزاعات بدلًا من معالجتها جذريًا، خاصة عندما تستمر الأسباب السياسية التي أدت إلى اندلاعها.
حدود القوة وحدود السياسة
تعرضت بعثات حفظ السلام في أكثر من أزمة لانتقادات بسبب عدم قدرتها على منع وقوع انتهاكات واسعة أو حماية المدنيين بصورة كافية، وهو ما أثار تساؤلات حول كفاءة آليات التدخل الدولي، ومدى توافق قرارات مجلس الأمن مع الاحتياجات الإنسانية على الأرض.
كما يشير عدد من الباحثين إلى أن انتشار قوات حفظ السلام يرتبط، في النهاية، بالتوافقات السياسية بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن، الأمر الذي يجعل الاعتبارات السياسية جزءًا من عملية اتخاذ القرار بشأن إنشاء البعثات أو توسيع صلاحياتها أو إنهائها.
قراءة نقدية للمفهوم
لا يكفي الحكم على بعثات حفظ السلام من خلال اسمها أو أهدافها المعلنة، بل ينبغي تقييمها وفق نتائجها العملية، ومدى نجاحها في حماية المدنيين، ودعم التسويات السياسية، ومنع تجدد الصراعات. كما يتطلب ذلك التمييز بين المبادئ التي تقوم عليها عمليات حفظ السلام، وبين أداء بعض البعثات في ظروف سياسية وأمنية معقدة.
خلاصة
تمثل قوات حفظ السلام إحدى أدوات إدارة النزاعات في النظام الدولي، إلا أن فعاليتها تختلف من حالة إلى أخرى بحسب طبيعة التفويض، والظروف الميدانية، والتوافقات السياسية الدولية. ولذلك فإن تقييم دورها يحتاج إلى قراءة نقدية تستند إلى الوقائع والنتائج، لا إلى الشعارات أو التصورات المسبقة، لفهم حدود قدرتها على تحقيق السلام في بيئات تشهد صراعات معقدة ومتداخلة.