
السودان خارج بيت الطاعة: بين الحصار والتفكيك: الأزمة كما لا تُروى
في خضم التحليلات المتكررة التي تفسر أزمة السودان بالصراعات القبلية، أو فشل النخب السياسية، أو تعقيدات الانتقال الديمقراطي، يغيب غالبًا بعدٌ آخر أكثر عمقًا وتأثيرًا: السودان بوصفه دولة اختارت في مرحلة تاريخية مفصلية أن تبتعد عن المسار الذي رسمته الولايات المتحدة وحلفاؤها لكثير من دول المنطقة. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة جانب مهم من مسار العقود الثلاثة الماضية بوصفه سلسلة متصلة من الضغوط والعقوبات والتفكيك التدريجي الذي أصاب مؤسسات الدولة السودانية.
لم يكن السودان أول دولة تواجه هذا النمط من الضغوط، لكنه يمثل حالة لافتة لدولة تعرضت لعقوبات طويلة الأمد، وخسرت جزءًا كبيرًا من مواردها الاستراتيجية، ثم انتهت إلى حرب أهلية تهدد وجودها ذاته.
رفض الهيمنة: مشروع استقلال أم مغامرة غير مكتملة؟
منذ تسعينيات القرن الماضي، تبنّى نظام عمر البشير سياسة خارجية اصطدمت مباشرة بالمصالح الأمريكية في المنطقة. فقد رفض الوجود العسكري الأمريكي، وأقام علاقات وثيقة مع إيران، وفتح أبوابه لعدد من الشخصيات والتنظيمات التي كانت واشنطن تعتبرها خصومًا لها.
لم يكن ذلك مجرد موقف سياسي عابر، بل محاولة لصياغة موقع إقليمي مستقل نسبيًا عن المنظومة الغربية. غير أن هذا التوجه افتقر إلى عناصر الصمود الأساسية، إذ لم يرافقه بناء اقتصادي قادر على تحمل العقوبات، ولا مشروع وطني جامع يخفف الانقسامات الداخلية، ولا منظومة سياسية تمتلك شرعية واسعة تسمح لها بمواجهة العزلة الدولية.
وهنا برز التناقض الأساسي: إرادة الاستقلال السياسي لم تترافق مع الأدوات الكفيلة بحمايته.
الحصار والعقوبات: سياسة الخنق طويل الأمد
عام 1993 أُدرج السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب، لتبدأ مرحلة طويلة من العقوبات الاقتصادية والمالية. ومع مرور السنوات، لم تعد العقوبات مجرد أداة ضغط على النظام، بل تحولت إلى عامل استنزاف للدولة والمجتمع معًا.
أدت القيود المالية والمصرفية إلى عزل السودان عن النظام المالي العالمي، وإضعاف قدرته على جذب الاستثمارات أو الحصول على التمويل الدولي. وحتى عندما بدأت عائدات النفط بالتدفق في أواخر التسعينيات، بقيت البلاد محاصرة ضمن شبكة واسعة من القيود والعقبات.
في الوقت نفسه، تشكلت بيئة سياسية وإعلامية دولية جعلت السودان يُقدَّم باعتباره دولة أزمة دائمة، وهو ما مهّد الأرضية لمشاريع إعادة تشكيل الخريطة السياسية لاحقًا.
انفصال الجنوب: الضربة الاستراتيجية الأكبر
شكّل انفصال جنوب السودان عام 2011 نقطة تحول مفصلية في تاريخ الدولة السودانية الحديثة. فالأمر لم يكن مجرد تعديل للحدود السياسية، بل خسارة مباشرة لمعظم الموارد النفطية التي كانت تمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني.
فقد السودان جزءًا كبيرًا من موارده المالية، وظهرت نزاعات حدودية جديدة، وتراجعت قدرة الدولة على إدارة التوازنات الداخلية. ومن منظور أوسع، بدا الانفصال نموذجًا لكيفية انتقال الأزمات الداخلية إلى إعادة رسم الخرائط السياسية تحت شعارات تقرير المصير والحلول الدولية.
سواء اعتُبر الانفصال نتيجة طبيعية لصراع تاريخي طويل أو جزءًا من بيئة دولية شجعت التفكيك، فإن النتيجة العملية كانت واحدة: دولة أضعف اقتصاديًا وسياسيًا مما كانت عليه قبل 2011.
سقوط البشير: نهاية نظام أم بداية إعادة تشكيل؟
مع تصاعد الأزمة الاقتصادية وانفجار الاحتجاجات الشعبية في 2018 و2019، دخل السودان مرحلة جديدة انتهت بإسقاط نظام عمر البشير.
لكن سقوط النظام لم يؤدِّ إلى بناء استقرار جديد، بل فتح الباب أمام صراع معقد حول شكل الدولة المقبلة. فقد وجدت الحكومة الانتقالية نفسها محاصرة بين ضغوط داخلية هائلة وضغوط خارجية متزايدة.
برزت مطالب إعادة هيكلة الاقتصاد وفق وصفات المؤسسات الدولية، وظهرت ملفات التطبيع والعلاقات الخارجية بوصفها شروطًا للاندماج مجددًا في النظام الدولي. وفي المقابل، ظلت الأزمة المعيشية تتفاقم، بينما بقيت مؤسسات الدولة عاجزة عن إنتاج توافق وطني واسع.
حميدتي وصعود القوى الموازية
في ظل ضعف السلطة المركزية، برزت ظاهرة القوى المسلحة الموازية بوصفها أحد أخطر التحولات التي شهدها السودان.
مثّل محمد حمدان دقلو "حميدتي" وقوات الدعم السريع نموذجًا واضحًا لهذه الظاهرة. فالقوة العسكرية التي نشأت خارج المؤسسة العسكرية التقليدية تحولت تدريجيًا إلى لاعب سياسي واقتصادي مستقل يمتلك مصادر تمويله الخاصة وشبكة علاقاته الإقليمية.
وقد ساهمت مشاركته في الحرب اليمنية، والعلاقات التي نسجها مع قوى إقليمية مختلفة، في تعزيز استقلاليته عن الدولة المركزية. ومع مرور الوقت، أصبح السودان يضم مركزين للقوة العسكرية بدلًا من مؤسسة سيادية واحدة، وهو وضع غالبًا ما يمهّد لصدامات كبرى.
من دارفور إلى الخرطوم: انفجار الدولة من الداخل
عندما اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عام 2023، بدا الحدث للكثيرين مفاجئًا. لكن بالنظر إلى المسار السابق، كانت المواجهة نتيجة منطقية لتراكمات طويلة.
فالدولة التي تعرضت لعقود من العقوبات، وخسرت جزءًا مهمًا من مواردها، وعاشت انتقالًا سياسيًا مضطربًا، وسمحت بنشوء قوى مسلحة موازية، كانت تسير تدريجيًا نحو لحظة الانفجار.
الحرب الحالية ليست مجرد صراع على السلطة بين جنرالين، بل تعبير عن أزمة بنيوية أعمق تتعلق بطبيعة الدولة السودانية نفسها، وحدود قدرتها على استعادة احتكار القوة وإعادة بناء مؤسساتها.
الرفض وحده لا يكفي
تكشف التجربة السودانية حقيقة غالبًا ما تتكرر في تجارب دول عديدة: رفض الهيمنة الخارجية لا يكفي بحد ذاته لصناعة الاستقلال. فالاستقلال السياسي يحتاج إلى اقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات قوية، ومجتمع متماسك، ومشروع وطني جامع.
لقد دفع السودان ثمنًا باهظًا لصراعاته الداخلية ولصداماته الخارجية في آن واحد. وبين من يرى ما جرى نتيجة مباشرة للضغوط الدولية، ومن يراه حصيلة أخطاء داخلية متراكمة، تبقى الحقيقة الأهم أن الدولة السودانية دخلت في دوامة تفكك لم تتمكن حتى اليوم من الخروج منها.
